سلام طه

عن متحف نابو في لبنان ونزيف الذاكرة العراقية

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

نُشرت بالتعاون مع مجلة بين نهرين ( العدد 120 / آيار 2019 - لتحميل عدد المجلة كاملاً -  أضغط هنا  )

 لتحميل  المقالين ( متحف نابو  و لنوقف النزيف ) - (أضغط هنا )

عبد السلام صبحي طه

 

 ARO1967

 

افتُتِح في لبنان خريف العام المنصرم متحف يحمل الاسم (نابو *) وهو إله الكتابة والحكمة في العراق القديم و مسجل بحسب موقعه الالكتروني باسم مستثمرين ورجال أعمال وساسة وفنانين ( انظر صورة 1 المتحف المقابلة ) ، وتم إشراك فنانين عراقيين ذوي شأن في المشهد الفني عالـميًّا  كضياء العزاوي ومحمود العبيدي للمساهمة في جهد الإنشاء والتنظيم وكذلك عرض لوحات لفنانين تشكيليين من رواد العراق، أما الافتتاح فقد كان فخماً وارتقى إلى دعوة أعلى مراتب الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الوزراء  سعد الحريري ومباركة وزارة الثقافة اللبنانية، و يبدو من خلال الأدبيات التي وزعت والموقع الإلكتروني للمتحف، أن المؤسسين لديهم رسالة نبيلة مفادها أنهم بوصفهم سكانًا أصلاء  لمنطقة الشرق الأدنى القديم فلهم كل الحق بالمحافظة على إرث بلادهم الشام وجارها العراق من الضياع والاهتمام بتوثيقه وعرضه.

من الجدير بالذكر أن المجموعة الآثارية للمتحف التي تناهز بحسب المراقبين ربما ما مجموعه 2000 قطعة مختلفة قد تم اقتنائها منذ العام 1990 بالشراء المباشر من دور المزادات والصالات العالمية وربما مصادر أخرى لم يتم التعريف بها، ومن ضمن مجموعة المتحف الاثرية، رُقم مسمارية طينية عراقية، تغطي مساحة زمنية طويلة جدًّا ترقى إلى عصر الدويلات السومرية، نزولاً الى العصر البابلي الوسيط ( 2600 وحتى 1100 ق.م )، يبلغ العدد الكلي لما نُشِر عنها رسميا لحد الآن 331 رقيمًا ، تم تحليل وقراءة و نشر نصوص تلك الرُقم على وجبتين من قبل عالم مسماريات يدعى ديفيد اوين **  من جامعة كورنيل في نيويورك، نشر السيد اوين دراسته الأولى بجزئين في (نيسايا ، المجلد 15 في العام 2013 ) وثق فيها قراءاته وتحليله لما مجموعه 144 رقيمًا شكلت الوجبة الأولى، أما الثانية والبالغة  187 رقيمًا فقد تم نشرها في  كتاب مستقل  مشاركة مع بيرتراند لافونت*** في الكتاب الموسوم  ( من ميسوبوتاميا إلى لبنان، الرقم المسمارية لمجموعة جواد عذره في متحف نابو، الهرّي، لبنان - جامعة بنيسلفانيا ،2019  - أضغط  لتحميل الدراسة)  ، من خلال الإحصائية الواردة في الكتاب أعلاه يمكن حصر  ما يربو على  100 رقيم تقريبًا تعود إلى موقع  أثري في وسط العراق يعرف بالاسم  إري-ساجرج ( Iri-sagrig )، لم يُسجل فيه تنقيب رسمي لحد الان، و لم يتم تحديد موقعه بالضبط (واطلق عليه اعلاميا المدينة المفقودة – انظر صورة 3 الخارطة المقابلة ) ولكنه أغلب الظن يقع في محافظة واسط  على ضفة المجرى القديم لنهر دجلة بالقرب من موقع مدينة أداب القديمة ويرقى زمنيًّا إلى عصر دولة أور الثالثة ( 2106 – 2000 ق.م )، أغلب نصوص هذه الرُقم عبارة عن مدونات اقتصادية وإدارية، تخص تفاصيل الحياة اليومية آنذاك، على سبيل المثال أحدها يذكر خطوات لابد من إجرائها لإصلاح الطريق الملكي وأخر يتحدث عن حصة كلاب القصر من الغذاء، ويبدو واضحًا أن لهذه الرُقم صلة بمجموعة أكبر منها تمت مصادرتها في الولايات المتحدة الأميركية، تحت اسم فضيحة متاجر هوبي لوبي الخاصة بمتحف الكتاب المقدس في واشنطن والتي نشرنا عنها مقالًا مفصلًا في مجلة الجديد اللندنية ( أضغط هنا )  ، تلك الصفقة التي أدارها ثلاثة تجار، اثنان من إسرائيل وواحد من دولة الإمارات ، وقد بلغ عدد القطع موضوع الصفقة ما يناهز 3800 قطعة،منها ما يربو على 450 رقيمًا مسماريًّا يعود لذات الموقع (إري – ساجرج)، والدولة العراقية بصدد إعادتها لوطنها الأم قريبًا من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تعاون مكتب المدعي العام الأميركي في ولاية نيويورك بشكل فعال في اثبات لا شرعية تملك هذه القطع و السند القانوني الذي اتكأ عليه استنادا الى القرارات المحلية والدولية النافذة.

تندرج رُقم موقع ( اري –ساجرج )والرقُم الاخرى  بحسب المختصين تحت مسمى صريح هو ( أثار ربما تكون مسروقة ومهربة ومقتناه بطرق غير شرعية من أرضها الأم)بدلالة الإشارة المهمة في فقرة التقديم في الدراسة المنشورة مؤخرًا للسيد اوين عن الوجبة الثانية من مجموعة جواد عدره، من جهة حصول تضرر بالرُقم بسبب عدم احترافية (السارق أو الوسيط التاجر) خلال الخزن أو النقل،  وهذه إشارة صريحة الى راي الباحث بمصدر الرُقم، و من الجدير بالذكر أن هذه المنطقة وما جاورها قد تعرضت الى عمليات نهب كثيف ابان الحصار التسعيني و ما تلاه في مواقع ( اومّا- ام العقارب- اري ساجرج – اداب )

plan

 

وهذا يشكل اختراق علني للقوانين والتشريعات الدولية التي تحمي إرث الشعوب (اليونسكو في العام  1970) ، وقرارات مجلس الامن التالية  والمختصة بالعراق  ( الرقم 661 - العام  1990 )،( الرقم 1483 – العام  2003  )، جميع هذه التشريعات تلغي أي مجادلات لا طائل منها يحاول الحائزون طرحها من مثل المرسوم  اللبناني المحلي المرقم 3065 والصادر في العام 2016، الذي يسمح بالتصريح بالقطع الأثرية المملوكة وتسجيلها بدائرة الآثار اللبنانية ليتم منحها الغطاء الرسمي، ولكن السؤال: هل يستطيع قانون آثار محلي حماية ممتلكات ثقافية تعود إلى دول أخرى وتحكمها حزمة رصينة من التشريعات الأممية كما ذكرنا آنفًا؟ من الطريف أن نذكر أنه جراء المتابعات الحثيثة للقلق الذي انتاب المسؤولين عن المتحف فقد تم أما رفض التصريح بوجودها أو رفعها من صالات العرض،  للتخلص من تبعات اقتناءها غير الشرعي. من الجدير بالذكر ان هنالك قانون لبناني صادر لا يزال ساري المفعول بالرقم 651 لسنة 1926 والمعدل في سنة  1933  بشأن منع استيراد او تملك الاثار القديمة من فلسطين والعراق. بالإضافة الى حزمة أخرى مهمة تمنع تداول اثار هذه الدول بشكل غير شرعي والاحتفاظ بها داخل الدولة اللبنانية.

 

نعود الآن إلى الغايات النبيلة الظاهرة  لهذا المتحف والرغبة المعلنة للقائمين عليه  بالتصريح وعرض مقتنيات دول مستقلة كالعراق وسوريا  ذات سجل آثاري عريق، وهي خطوة خطيرة ستشجع على المزيد من النهب و التداول غير الشرعي بحجة عرضها في هكذا متاحف، وتلك هي معضلة النهب الاثري الكبرى، ونقصد بها فقدان السياق التاريخي – الزمني  للأثر ، حيث سيتم التعامل معه بوصفه قطعة نادرة منزوعة من رحمها، من دون سجلها التنقيبي، فتكون النتيجة الشاملة للفهم الآثاري منقوصة والقراءة للنتائج عرضة للتأويلات، وقد يشجع الأمر أن تم تمريره أو التعتيم عليه قسراً على افتتاح متاحف أخرى للقطع المسروقة بدعوى إظهارها في بنايات أنيقة بسلطة قانون محلي لن يتمكن من الوقوف بوجه التشريعات الدولية، أن عاجلاً أم آجلاً.

 تأسست أول سلطة آثارية في العراق في العام 1923 بافتتاح المُتحف العراقي، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا تراكمت الخبرة لدى أهل الاختصاص وهم الآن يديرون ملفهم بأنفسهم وبكفاءة، ومن يود أن يتعاون معهم، فالأولى به أن يتحلى بحكمة الاله نابو، و يقوم بإعادة غير مشروطة لكافة القطع التي يصعب اثبات شراءها عبر القنوات الرسمية في صالات ومخازن المتحف، وصناديق المصارف الحصينة المملوكة لمن به هوس اقتناء إرث الشعوب الأخرى بطريقة غير مشروعة، وأي اقتراح بتفاوض لإعادة القطع عبر بروتوكولات وتفاهمات مريبة أمر مرفوض، لأن هذه حيازة علنية لإرث مسروق،  لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى أو تبرير، ولابد من الوقوف بصلابة بوجه هكذا محاولات تجريبية لجس النبض ومحاسبة القائمين عليها بقوة القانون لا التستر عليها،لانها ستسيء إلى هيبة الدولة اللبنانية وسمعة مؤسساتها الثقافية العريقة، فحقوق الشعوب لا تسقط بالترهيب أو التقادم.

 

conclusion

___________________________________________________________________________________________

 

*  نابو هو  إله الكتابة والحكمة في العراق القديم و زقورته في مدينة بورسبّا Borsippa أو برس نمرود والتي تقع الى الجنوب من مدينة بابل.

 

** ديفيد اوين: أكاديمي أميركي ، يرأس قسم دراسات الشرق الأدنى لجامعة كورنيل في نيويورك، و وقد ارتبط اسمه بفضيحة متعلقة بمجموعة الرُقُم المسمارية العراقية القديمة الشهيرة ب (رُقم جار- سانا ) والتي ثبتت سرقتها وتم إثبات تداولها بطريقة غير شرعية من قبل رجل الأعمال والمقتني الأميركي جوناثان روزين، وستعاد الى العراق قريبا ، و لهذا الباحث رأي يتلخص بأنه لا يجد ضيرًا في  قراءة ودراسة ونشر الرُقُم مهما كان مصدرها، لأنها مُلك لسائر البشرية وليست حكرًا على دول المصدر، وهو من القائلين بأولوية البحث والدراسة على عائدية الأثر الشرعية واخلاقيات العمل البحثي، للمزيد  انظر: الكارثة: نهب آثار العراق و تدميرها ( اضغط هنا )

 

*** بيرتراند لافونت : عالم آشوريات فرنسي مختص بتاريخ بلاد النهرين القديمة، ويعمل في المركز الوطني الفرنسي للابحاث.

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker