سلام طه

الألواح المسمارية البابلية في متحف " أرض التوراة " بالقدس

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

نُشر المقال في العدد 121 من مجلة بين نهرين لشهر حزيران -  2019 ( لتحميل نسخة الكترونية من عدد المجلة - أضغط هنا )

لتحميل المقال فقط  ( أضغط هنا ) - سلسلة ذاكرة العراق في السوق السوداء

( النسخة ادناه خاصة بالمدونة -  مزيدة ومعززة بصور اكثر من نسخة المجلة )

 

عبد السلام صبحي طه

 

صورة 1  

عرض متحف "أرض التوراة او بلدان الكتاب القُدس " بمدينة القدس في شباط من العام 2015 ما يربو على 200 رقيماً طينياً مدوناً بالخط المسماري واللغة البابلية الحديثة، وترقى هذه الرُقم إلى العصر البابلي الحديث (الكلدي، القرن السادس ق.م). إدارة المتحف وضعت عبارة صريحة ضمن ادبيات المعرض مفادها هذه القطع تُعرض بأذن من مالكيها مقتني العاديات والقطع الأثرية القديمة والمتاحف المختصة بتاريخ اليهود.

 

بحسب موقع المتحف وما تم اشهاره عن العرض آنذاك فانه يُعد أحد اهم المعارض التي تمت استضافتها في إسرائيل 300px Al Yahudu Tablets3 croppedلخصوصية وندرة القطع الاثرية التي تُعرض علناً امام الجمهور، فقد اختص بتفاصيل حياة اليهود في مستوطن يرد باسم " آل ييُودو" باللغة البابلية ويعادله " قرية يهودو " بالعربية، ويقع على نهر الفرات بالقرب من مدينة بابل في العراق.

أقدم هذه الرُقم يرقى إلى عام 572 ق.م، بعد استقرار المرحلين اليهود من أورشليم (القدس) على يد العاهل البابلي الكلدي نبوكودري اوصّر الثاني ويعني اسمه ( ليؤازر الاله نابو  "حدود" البلاد )  (نبوخذ نصّر في العهد القديم)، وأحدثها يرقى إلى عام 477 ق. م حين كان الملك الاخميني احشويرش الأول في الحكم (485 إلى 465 ق. م )، أي بعد 6 عقود تقريباً من عودة المرحلين اليهود إلى أرض فلسطين على يد سلفه قورش، وهي بذلك تسبق زمن ظهور الكاتب اليهودي " عزرا " الذي جمع ودون نصوص مهمة في العهد القديم.

الكشف عن الألواح

أغلب الظن أن هذه الألواح لم يتم وضع اليد عليها، جراء تنقيبات رسمية موثقة وبعلم الحكومة العراقية، والارجح أنها قد تكون نُبشت ونهبت إبان عقد التسعينيات من القرن المنصرم، حيث بلغ النزيف في المواقع الاثرية أشدّه جراء الحصار الدولي الذي فُرِض على العراق، ولابد لنا من ان نذكر حادثة مختلفة متصلة بموضوع نبش مواقع ذات صلة بالمرحلين من فلسطين في شمال العراق ، وقد وردت على لسان آثاري عراقي، مفادها أنه في أواخر عقد التسعينيات من القرن المنصرم ، اتصل به حارس لتل أثري قرب قرية القوش، على أطراف الموصل، وابلغه أن التل قد جرى  كشطه بالكامل  !، وقد تم تثبيت الحادثة في سجلات دائرة الأثار المحلية آنذاك، ولا بد لنا ان نذكر حقيقة ان هذه المنطقة  كانت تحت سيطرة الاكراد منذ عام 1991.هذا التل هو موقع لمدينة تلموس tilmussu الاشورية  القديمة ضمن ناحية القوش ، ورد بالاسم ( گر جو ) باللغة الكردية  ويعني  “ تل اليهودية " بالعربية في دليل المواقع الاثرية في العراق  ( طبعة 1970 )  ، وكان يقطنها مرحلون يهود جلبهم من فلسطين العاهل الآشوري توكلتي أبلِ أيشّر ويعني اسمه " المتوكل على إبن الوريث " ( تيجلابليزر في العهد القديم ) الثالث (744 الى 727 ق. م).

 

صورة 3

 

ومن الجدير بالذكر أن المرة الأولى التي ذُكرت فيها هذه الرُقم المتعلقة بالمرّحلين في بابل ، كانت في عام 1999، وقد ورد الموضوع حينها في مقال لباحثين فرنسيين، استعرضا فيه تفاصيل عن حياة المرحلين، وذكروا في سياق المقال مقاطعة باسم "آل ييُودو"، وكان ذلك المقال جزءاً من بحث أكبر تُرجمت فيه ستة ألواح كانت في حوزة المقتني الإسرائيلي "شلومو موساييف “ ، والذي  شاب مجموعته الكثير من اللغط،  وقد فصلنا له في كتاب "الكارثة ، نهب آثار العراق وتدميرها" ومحاولاته المستميتة الاحتفاظ بقطعة اثرية ثبت عدم شرعية اقتنائها لها وعادت للعراق.

في بداية القرن الواحد والعشرين اتضح أن الأمر لا يشمل الرقُم الستة فقط، وانما هناك ما يربو على 200 رقيم أخر تعود الى مقتنِ اسمه (ديفيد صوفر [1]).

 

صورة 2

 

CUSAS 28 small 0

جرى عرض هذه الرُقم، على نحو علني، عام 2004، في متحف الشعب اليهودي (Beth Hatefutsoth) في تل أبيب من قبل الباحثة كاثلين إبراهام من جامعة بارإيلان ( Bar-Ilan University.    ) ، ونُشرت نتائج الترجمة وقراءات الألواح كاملةً من قبل الألمانية كورنيلا وونش، والأميركية ‘لوري بيرس عام 2014، واستُكمل العمل ونُشرت المجموعة كاملة في كتابين يحمل الأول عنوان "وثائق المرحلين من يهوذا والساميين الغربيين في بابل والتي في مجموعة ديفيد سوفر “، بدعم من جامعة كورنيل في نيويورك.وفي شباط عام 2015 عُقدت ندوة، نظمها قسم الدراسات الآشورية والسومرية في تلك الجامعة (CUSAS)، ترأسها البروفسر ديفيد اوين[2]، الذي ورد ذكره في مقالنا السابق في مجلة بين نهرين عن دراسته للرُقم المسمارية العراقية المشبوهة التي في حوزة متحف نابو اللبناني. تم نشر مؤلفين بالرُقم موضوع المقال وهي :

  1- "Documents of Judean Exiles and West Semites in Babylonia in the Collection of David Sofer” / Prof. Laurie Pearce

  2- “By the Rivers of Babylon,” by Horowitz, Yehoshua Greenberg and Peter Zilberg, published by the Bible Lands Museum.

 

 

تفاصيل عن حياة المستوطنين 
4

بحسب النصوص الواردة في الرُقم، فإن لقب "شوشانو" كان يطلق على جميع المرحلين من البلدان التي خاضت حروباً مع الدولة البابلية، وجرت إعادة توطينهم في إرجاء المملكة.

لفد جرى منح هؤلاء المرحلين أراضي زراعية جديدة بصيغة الاستئجار لقاء خدماتهم بالعمل فيها، مع منحهم الحرية بالتنقل، وكانوا يعتبرون مواطنين احراراً امام السلطات الحكومية البابلية والاخمينية التي تلتها، كما مُنحوا كامل الحرية في ممارسة النشاط التجاري والاختلاط والتمازج مع المجتمع الجديد.

كان الجميع مطالبين بدفع ضرائب بطريقة وأخرى، منها العمل في الحقول، وجرى تشغيل آخرين في نشاطات أخرى كعمال مأجورين للقيام بالحفر، وصيانة قنوات الري، ومنهم من عمل في الحدادة وصناعة الأقفال كما ورد في العهد القديم. ومع وجبة المرحلين عام 597 ق.م يبدو أن تشددا قد حصل معهم، واستُدعي تقنين حركتهم ومعاملتهم بشيء من قسوة، وتذكر النصوص أن الذين امتهنوا الزراعة قاموا بزراعة النخيل والشعير والحنطة والبهارات والكتان، ومن خلال مقارنة مستوى الأجور وحالتهم المعيشية نجد أنهم كانوا يُحسبون من ضمن الطبقات الدنيا اقتصاديا، ويظهر من خلال متابعة طريقتهم وأسلوبهم في العمل، أنهم كانوا يتبعون أسلوب البابليين، ولا يتقيدون بالضرورة بتعاليم العهد القديم.

 تظهر في بعض الألواح وثائق شراء وبيع وتأجير عقارات، فعلى سبيل المثال، يرد في احد الرُقم ان شخصا اسمه (يربي) جرت مقايضته بثور عمره 5 سنوات، وفي اللوح المرقم 52 باع شخص يُدعى (إقيشا) عبدة له بثلاث قطع من الفضة، وفي وثيقة أخرى استأجر (نهريايو بن اخي كام) بيتا بعشرة شيقلات فضة، جرى دفع نصفها في بداية السنة، والنصف الآخر في منتصفها، وقد وافق المستأجر على التعويض عن أي اضرار من الأساس إلى السقف.

وقد ظهر بين المرحلين بعض الميسورين وأصحاب النفوذ الاقتصادي في السوق، كعائلة (رافي بن سما يهوه)، والذي كان يعمل مرابي، ويقوم بجمع الضرائب، وتقديم القروض.

 

 

صورة 4

عطا الله في متحف القدس

في التفاته مهمة، قام رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بزيارة المتحف واطلع بنفسه على المعروضات، وتوقف عند رقيم ورد فيه اسم عائلته مدوناً باللغة البابلية، والاسم فيه يقرأ: " نادن يهوه "، ويعني: أعطاني الاله أو عطا الله.

 

 

 

 

دلالات الأسماء الواردة في الرُقم البابليةcyrus le cylindre

المدهش في الأمر أن النصوص لم تأت على الحالات التي ذُكرت في العهد القديم من جهة إحساس المرحلين بالغربة ونحيبهم على حياتهم السابقة أو رغبتهم في العودة الى فلسطين، باستثناء إشارة وردت عن شخصين كانا يرغبان في العودة إلى "صهيون"، الأول اسمه "سيدور" وقد مُنح هذا الاسم لإعطائه الأمل بالعودة إلى فلسطين، والآخر اسمه "يا ئيل"، يذكر لوالديه في النص رغبته في العودة، وهو بذلك يتطابق مع ما ورد في أسطوانة قورش الأخميني (المحفوظة في المُتحف البريطاني - الصورة المقابلة مع ترجمة بالاسفل  النص المتعلق باعادة المرحلين والاسرى الى ديارهم ) عن المرحلين في بابل الراغبين بالعودة إلى فلسطين. وربما ان الدليل الوحيد على التزام اليهود المرحلين بهويتهم هو منحهم أسماء يهودية لأبنائهم المولودين الجدد مثل حنان، دانا، نتنياهو، يشوا، زادق (صادق).

يدّعي مؤرخو اليهود أن عدد المرحلين الكلي من فلسطين إلى بلاد النهرين يربو على 80 ألف شخص، وقد عاد عدد كبير منهم على يد قورش ومن تبعه من ملوك الأخمينيين، لكن من اختار البقاء كوّن ربما نواة لأحدى أقدم الجاليات في العراق منذ القرن السادس ق. م وحتى عام 1948م.

الملاحظة التي تسترعي الانتباه ان اليهود في بابل لم يتحرجوا من استبدال اسم إلههم القومي "يهوا" ب ـ"بعل" أو "بل" ، والتي تعني "السيد" بالبابلية، وهو لقب الاله القومي البابلي مردوخ.

 وكما في حالة الملك البابلي بل شار أوصر ( بيلشاصر )  والذي يعني (لينصر " بعل اي السيد "  الملك) و حمل الاسم التوراتي ( ياهوا شار أوصر )، بحسب ورده في قصة الحكيم اليهودي دانيال في العهد القديم.

 

 

أهمية دراسة هذه الألواح

تكمن أهمية دراسة هذه الألواح في أنها:

  • توفر توثيق مهم لفترة تاريخية حرجة تتعلق بالترحيل البابلي لليهود وبأسلوب المدرسة العراقية العريقة في التدوين والذي يحرص فيه كاتب اللوح على ذكر اسمه وتاريخ التدوين مع اسم الملك الحاكم وسنة حكمه آنذاك. في حين لم يرد نص عبري يرقى الى ذات العصر، لان تدوين العهد القديم حصل بعد العودة من بابل وباللغة الآرامية القديمة.
  • تعطي فكرة عن التلاقح الثقافي الذي حصل ما بين الوافدين الجدد والشعب البابلي، فهي تورد أسماء للمرحلين اليهود وتظهر كيفية انتقالها الى الأجيال اللاحقة ومديات تأثرها بالثقافة السائدة، وكذلك يرد فيها أسماء لمدن وقرى، تمنح الباحث فرصة المقارنة مع النص التوراتي.
  • كشف المغالطات والاكاذيب التي تم تسويقها منذ تدوين العهد القديم والى يومنا هذا عن المظلومية التاريخية في الشتات اليهودي، في حين تثبت تلك الالواح انهم كانوا يتمتعون بحقوق وامتيازات في الكثير من التعاملات التجارية والمالية بالإضافة الى الحرية في ممارسة المعتقد، حيث لم يرد فيها ممارسة أي نوع من ضغط لفرض عبادة البابليين على اليهود.

 

الموقف القانوني

لابد لنا ونحن ننهي هذه الدراسة المختصرة ان نطرح الأسئلة التالية التي ربما ستراود القارئ:

  • لماذا في هكذا توقيتات تظهر هذه القطع للسطح؟ وكيف حصل كل من ديفيد صوفر وشلومو موساييف على هذه الألواح ومتى تم لهما ذلك؟
  • ما هو موقف القانون الاسرائيلي المحلي من هذه الرُقم ان ثبُت بطلان تملكها من قبل المقتني، وهل يحق للعراق المطالبة رسمياً بها استنادا الى التشريعات الدولية التي اقرها مجلس الامن الدولي المختصة بحماية التراث الثقافي العراقي للاعوام ،1990 2003 و2014 بالإضافة الى تشريعات اليونسكو(منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) في 1970 .
  • هل يمكن استخدام طاولة اليونسكو للتفاوض ما بين طرفين لا يوجد تمثيل او اعتراف دبلوماسي بينهما لغرض مناقشة حيثيات القطع اعلاه، بالرغم من الغاء الكيان الصهيوني عضويته في اليونسكو بداية العام الحالي، احتجاجا على قبول دولة فلسطين عضواً فيها.

 ____________________________________________________________

[1] ديفيد صوفر ثري يهودي شرقي وهو ابن جاثام صوفر الذي اشتهر خلال انهيار البورصة في 1980

 صورة 3 ب

لوحة تشكيلية تجسد قافلة من يهود فلسطين في طريقهن الى بلاد بابل كما ورد في سفر الملوك ( جي جي تيسوت - 1892 )

 

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker