سلام طه

ريادة بلاد النهرين في انشاء المتاحف : (1) سيرة اقدم امينة متحف في التاريخ ، الاميرة الكاهنة بيل شالتي ننار

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

نشرت على صفحات  مجلة بين نهرين ( العدد 122 لشهر تموز 2019 - اضغط هنا من فضلك  لتحميل نسخة الكترونية ).

 سيرة اقدم امينة متحف في التاريخ  ( بيل شالتي ننار) ،اميرة من بابل وكاهنة عظمى في اور .

عبدالسلام صبحي طه

 

يقول عالم الآشوريات الألماني بينو لاندسبيرغر:   " أُطالب بالاستقلالية الثقافية لبلاد ما بين النهرين, ليس علينا أن نفسر هذا العالم من خلال الكتاب المقدس من الآن فصاعداً, لقد أثبت سكان تلك البلاد أنهم أقاموا وبجدارة عالماً مستقلاً لهم، يحمل قيمته بذاته ووضوحه بداخله".

ولا غرابة في هذا القول المُنصف بحق أهل هذه البلاد، فهم الذين اخترعوا الكتابة، واهتموا بالتوثيق وإنشاء المكتبات في سبار ونينوى منذ نعومة أظفار القصب والصلصال، في الوقت الذي كان العالم، بجهاته الأربع، غاطاً في سباته، او يحدق في ريادتهم ليتعلم منهم أصول المشي.

في الأسطر الآتية سنقف على منجز آخر، يُعد العراقيون القدماء اقدم مَن اهتم  به، وهو اهتمام حكامهم باقتناء وجمع عاديات وقطع قديمة من أرجاء بلاد النهرين والمناطق التي أخضعوها لحكمهم، وإنشاء وتجهيز قاعات لعرضها تشبه ما يُعرف اليوم بالمتاحف.

 

مُتحف القلعة الملكية في بابل ( سيتم تناوله بتفصيل  في مقال  في العدد 123 لشهر اب 2019  - اضغط هنا للتحميل من فضلك).

عثرت البعثة التنقيبية الألمانية، أثناء عملها في مدينة بابل، حيث موقع القصر المركزي للملك البابلي الكلدي نبوخذ نصّر الثاني (604– 562 ق.م)، على مجموعات مختلفة من الآثار الحجرية والرُقم الطينية مع تماثيل لبعض ملوك العراق القديم، ابتداءً من العصر السومري الحديث، إلى الآشوري، مروراً بالبابلي القديم، ومن بينها أسد بابل الشهير. وربما كانت بعض المعروضات غنائم حملاته الحربية على المدن الآرامية في سوريا، والحيثية في الأناضول. ويشير رقيم مسماري طيني عُثر عليه في الموقع إلى أن الملك سمح لأهل البلاد بزيارة هذا المُتحف، كما في النص الآتي: "لتشاهدها كل الشعوب". كما وجِدت رفوف مكتبة للرقم الطينية ملحقة بالمُتحف، وقد ورد في بعضها باللغة البابلية: "نسخة من بابل، قصر الملك نبوكودوري أوصّر، ملك بابل".

ويحتفظ البيرغامون في مجمع متاحف الدولة في برلين بمعظم موجودات هذا المتحف. وقد وثقها العالم الألماني أونغر في كتابه عن بابل، وهو الذي أطلق على القاعة اسم مُتحف القلعة.

 

 

مُتحف بل شالتي ننار في أور

خلال التنقيبات التي أجراها الآثاري البريطاني ليونارد وولي في مدينة أور إبان عشرينيات القرن المنصرم، عثر في حي المعابد جنوب شرق الزقورة على بناية بأبعاد(95 م x 50 م) يرقى زمن إنشائها إلى الملك السومري أمّار سين (2046- 2038 ق. م) ، وحال استكماله الحفريات في الموقع تبين له أنها بناء مستطيل الشكل يضم قسمين متشابهين شمالاً وجنوباً، ويفصل بينهما ممر طويل، وأنها في الحقيقة كانت بناية معبد سُميت (گي- بار- كو/ GI – Par – Ku).

كي باركو

لقد اهتم الملك البابلي الكلدي نبونئيد (555- 539 ق. م) بمدينة أور، وقام بحملة ترميمات واسعة ضمت الزقورة القديمة (إي– تيمين– ني- كور)، واعادة بناء الغرفة الزرقاء على قمتها. وهي غرفة كانت قد شيدتها اميرة من سلالة لارسا( القرن الثامن عشر ق.م )، وشملت ترميماته تقوية وتجديد جدران المعبد على نمط وتخطيط البناء الاصلي. يعود المعبد (الدير) لابنته الاميرة (بِل- شالتي- ننار أو نانا Bêl-Šhalti-Nannar  )، ولها اسم آخر هو (إيني گالدي نانا (Ennigaldi – Nanna /حيث يرد في نص له يقول: "أنا شيدت بيت جديد لأبنتي بِل- شالتي- ننار كاهنة سين، أنا قدمت ابنتي إلى الإله سين"، "لعل بِل- شالتي- ننار ابنتي، محبوبة قلبي، تكون قوية أمامهم، وتسود كلمتها". وهذه إشارة إلى أنها كانت تتمتع بمرتبة كاهنة عظمى (إنتو) مكرسة لإله القمر (ننار، او نانا السومري، وهو ذاته سين في الأكدية) وهيكله في أور، وكذا كانت جدتها لأبيها (أدد– كوبي) الكاهنة المعمرة في معبد إله القمر (سين) في مدينة حرّان ( وهي جزء من الشمال التاريخي للعراق)، وهو على ما يبدو نوع من عُرف نهريني وُجدت له جذور ترقى إلى عصور أقدم حين عيّن شروكين (سرجون) الأكدي (2334- 2279 ق. م) ابنته أنخيدوانا (حليلة السماء) كاهنة عظمى في أور، وهي التي أشتهرت بكونها أول شاعرة في التاريخ. وكانت هذه البناية بمنزلة  ما يعرف اليوم بدير للكاهنات. وفي جزء منها وُجد مجمع  لسكنهن، ومدرسة ملحقة ربما هي الأقدم في أور والعالم القديم، والتي كانت قد تأسست إبان العصر الكيشي (القرن الخامس عشر ق. م)، الأمر الذي يجعلها احدى أعرق المدارس حتى في عالمنا الحالي (استمرت إلى ما يربو على 8 قرون)، وكان يجري فيها تعليم الطقوس الدينية و الكتابة واللغة السومرية (الإيم– سال) او لغة النساء .

 شُيدت البناية على قطعة أرض شبه منحرفة بالقرب من مرفأ ميناء أور الشمالي، وعلى بعد حوالي (160) متر جنوب شرقي الزقورة، ووُجد في داخلها العديد من الممرات والقاعات المختلفة الحجم، وقد عُثر في احدى هذه القاعات على قطع أثرية من مراحل تاريخية اقدم من الطبقة التاريخية لموقع التنقيب آنذاك (العصر البابلي الحديث، القرن السادس ق. م)، بعضها كان يرقى إلى عصر دولة أور الثالثة (2100 ق. م) والعصور التي تلته، واستقر رأي الباحثين، ومنهم وولي، على أن هذه القاعة ربما تمثّل، بما تحويه من تحف متنوعة، أحد أقدم المتاحف، وأن مسؤولته الأميرة– الكاهنة بِل شاتلي ننار هي اول أمينة متحف في التاريخ.

 كان الملك نبونئيد مهتماً، على ما يبدو، بجمع اللقى القديمة التي يعثر عليها خلال عمليات الترميمات في المعابد والمراكز الإدارية المهمة في عموم بلاد النهرين، ومنها حي المعابد المقدس قرب زقورة أور،  التي وضع أسسها الملك السومري (أور نامو) وأتم بناءها ابنه شولگي. والظاهر أن ابنة نبونئيد ورثت عن أبيها هوس تجميع الآثار والتحف وعرضها في تلك القاعة. وتذهب احدى مدارس الرأي بهذا الخصوص إلى أن الأسباب التي دفعت هذا الملك إلى البحث عن شواهد الماضي وتجميع اللقى، ومن ثم عرضها في قاعة متحفية، ربما كانت لتعزيز الشعور بالانتماء، وبث روح الوطنية لدى السكان في وسط وجنوب بلاد النهرين، لمقاومة الخطر الآتي من الدولة الأخمينية من جهة الشرق وسعيها لغزو بابل، ولهذا عمد نبونئيد إلى الأخذ بتعابير النقوش القديمة، التي تعود إلى ما لا يقل عن 15 قرناً مضت، لتوظَّف من جديد في النقوش البابلية الحديثة، بالإضافة إلى الأخذ بكلمات من اللغة السومرية القديمة، ونظام كتابتها. ولدينا شواهد كتابية كثيرة تشير إلى فخر أهل البلاد بكونهم أكديين ولأسلافهم منجز ثر، ولا أدل على ذلك من أن مسلّتي النصر لنارام سن والشريعة لحمورابي كانتا منتصبتين إلى ما يربو تقريبا على ألف سنة للأولى، و500 سنة للثانية في أنحاء العراق القديم حتى استولى عليهما الغزاة من عيلام سنة 1158 ق. م.

شروحات مُتحفية 

الكشف المدهش هو ما وُجد من رُقم طينية أسطوانية الشكل مدون عليها بالخط المسماري شروحات التحف والعاديات في تلك القاعة، وبلغتين (السومرية  والأكدية). وفي الصورة المرفقة أسطوانة طينية بابلية كلدية فيها شروحات لقطعة متحفية ترقى إلى عصر الملك بور- سين  من سلالة إيسن (1895– 1874 ق. م)، وهو بالضبط ما متّبع في متاحف العالم في عصرنا الحالي.

 

Clay Label from bel shatli ninar museum

أسطوانة طينية مدونة في العصر البابلي الحديث ( قرن 6 ق.م ) فيها شروحات قطعة مُتحفية ترقى إلى عصر الملك بور- سين  من سلالة إيسن (القرن 19  ق. م)، مُتحف بيل شالتي ننار في أور

 

وأورد هنا بعض اللقى التي وُجدت في قاعة العاديات، والتي يتقاسمها الآن كل من من المُتحفين البريطاني وبنسلفانيا:

  • جزء من تمثال من حجر الديوريت يعود للملك شولگي، وقد جرى ترميمه بعناية ليبدو نظيفاً مع الحفاظ على الكتابة، وهو مكرّس للإلهة ننسون (سيدة البقرة البرية)، التي هي أم البطل الأسطوري ﮔلـﮔامش، والإلهة الحامية لـگودايا حاكم لـﮔش.
  • مخروط أساس من الصلصال يوضع عادةً تحت أسس الأبنية، ويعود إلى كودور مابوك، أحد ملوك لارسا، ويرقى إلى (1700 ق. م) مع رُقم طينية.
  • آجُرّة طينية عليها اسم الملك بور- سين من سلالة إيسن الأولى (1895- 1874 ق. م) منسوخة من قبل كاتب اسمه نبو شوم ايدينا.
  • حجر حدود (كُدُرُّ)* أسود اللون يعود إلى الحقبة الكيشية (حوالي القرن الرابع عشر ق. م)، وقد سُجل عليه منح أرض وتحديد مساحتها، وكيفية الحصول على الهبة من الملك، ونُقشت عليه لعنات، إلى جانب رسم ثعبان مع رموز الآلهة المختلفة.
  • رأس صولجان من الحجر خالٍ من النقوش، وتماثيل صغيرة على شكل كلاب من الطين (الكلب يمثل آلهة الشفاء كولا).

من خلال استعراضنا اعلاه، تكشفت لنا مرة اخرى ريادة العراقيين القدماء في مجال المنجز المعرفي والذي يُضاف إلى مجالات أخرى معروفة، ليثبتوا وعن جدارة صدق المقولة الشهيرة لعالم السومريات صموئيل نوح كريمر أن " التاريخ بدأ من سومر".

 

__________________________________

* كُدُرُّ (كودورو) كلمة أكدية تعني حدود أو حجر حدود تُستخدم لتحديد الملكيات الخاصة من الأراضي، وكسند ملكية قانونية في الوقت نفسه، كما يقول الباحث خالد حيدر العبيدي، وهي الأصل في كلمة ( قُطر وجمعها أقطار) وكذلك ( كُتُر) المستخدمة في اللهجة العراقية المحلية (الكاتب).

نموذج لحجر كودورو من العصر الكيشي

 حجر الحدود (كُدُرُّ) الذي عُثر عليه في أور -  العصر البابلي الكيشي ( حوالي القرن 15 ق. م ) ، مُتحف بل شالتي ننار في أور

 

المراجع:

 1- بابل، د. مؤيد سعيد بسيم، عمان، 2011.

 2- أور الكلديين، ليونارد وولي، لندن، الطبعة الثانية، 1950.

 3- أحجار كودورو البابلية، خالد حيدر العبيدي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الموصل، 2001.

 

________________________________________________

 

 

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker