سيف الطائي

تأثر الأدب الفارسي بآداب العراق القديم

كتب بواسطة: Bessam Tiranu on . Posted in سيف الطائي

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

تأثر الأدب الفارسي بآداب العراق القديم

q1.png

الشكل رقم (1) شجرة الحياة عند الآشوريين ، وتظهر الشجرة المقدسة باعتبارها شجرة النخيل ، وفوقها مباشرة يظهر الإله آشور وعلى جانبي الشجرة المقدسة يظهر الملك الآشوري وهو يمد له للشجرة وخلفه يظهر الكائن الاسطوري المعروف بالجني الحارس .

 

 

q2.png

الشكل رقم (2) رسم تخيلي للماعز والنخلة .

 

تناول الأدب الفارسي قصيدة أسطورية لمناظرة بين النخلة والماعر وأيهما أفضل وعرفت هذه القصيدة باسم الشجرة الآشورية أو (درخت آسوریگ /  Draxt-i Asurig) كذلك باسم الشجرة البابلية  ، وهذه الأسطورة قام بدراستها العالم الفرنسي (بنفشت)[1] ، كتبت هذه القصيدة باللغة البارثية من حوالي 120 بيت مع مؤثرات لغوية كثيرة من لغات الشرق الأوسط ، وهو بذلك أحد اقدم النصوص الموجودة باللغة البارثية ، تبدأ القصيدة بحوار الماعز مع النخلة ، لتوضيح أيهما الافضل ، وفي النهاية يعلن الماعز انتصاره على النخلة .

تبدأ القصيدة بطرح لغز عن الشجرة ، فيقوم الشاعر بإعطاء وصف موجز لشجرة دون تحديد نوعها ، على الرغم من ان القارئ يستطيع ان يفهم من خلال النص ان المقصود بهذه الشجرة هي النخلة ، ثم تبدأ الشجرة بذكر فوائدها للماعز من ثمار وخشب وكذلك اوارقها والاليافها ، ثم يقوم الماعز بالرد على النخلة ويسخر منها ، ويذكر فوائده مثل الأطعمة التي يدخل الحليب بانتاجها ، وكذلك ذكره لدخول الحليب في المناسبات الدينية في الديانة المزدائية الإيرانية القديمة ، وكذلك الحاجيات المصممة من الجلد والصوف والأمعاء وغيرها ، وفي النهاية يعلن الشاعر انتصار الماعز على الشجرة ، ثم يقدم الشاعر الصلاة للآلهة[2] ، وصب اللعنات على الاعداء .

هناك الكثير من القصائد الأدبية الإيراني قدمت على أساس أدب المناظرات ومنها قصيدة العنزة والكرمة ، ويعتقد البعض ان هذه القصيدة تحمل إشارة إلى التحدي الذي رسمه كهنة الديانات الإيرانية الذين اعتبروا الماعز كرمز ديني في الديانات الهندواوربية ومنها المزدائية (عرفت باسم الزرادشتية فيما بعد) ولتحدي ديانات العراق القديم التي اعتبرت ان النخلة هي رمز مقدس في معتقدات العراق القديم ، بينما يعتقد البعض ان الماعز هو رمز للحياة الرعوية بينما النخلة هي رمز للحياة الزراعية .

أول من قدم لنا الأعمال الأدبية من خلال قصائد المناظرات هم سكان بلاد العراق القديم وفي فترة تمتد إلى العصر السومري المبكر ومع بداية التدوين ، فكانت الفكرة هي تحدي بين الحياة الرعوية والزراعية كما في مناظرة انكمدو وتموز ، وكذلك كما في المناظرات الأخرى التي تحمل في طياتها تحدي بين المجتمع الامومي والذكوري والشمس والقمر وايهما اقرب للآلهة ومن سينال رضى الآلهة وهكذا ، ومن الأدب العراقي ظهر أدب المناظرات في الشعر العربي ايضاً ، ويرد النخيل في نص مسماري يتحدث عن خلقه كأول شجرة مثمرة في أول بستان على الأرض ، بعد ان يتوجه الإله انكي الى الغرب ويعطيه التعليمات بخلقها في مدينة اريدو ، حيث تصف النخلة بالشجرة الأبدية التي سيرافق سعفها التنسيقات الملكية وأقراط تمورها بين سعفها الكثيف سوف توضع كتقدمات في معابد الالهة[3] .

وفي أدب المناظرات الرافديني يوجد نص باللغة الاكدية يوضح المناظرة والمنافسة بين شجرة النخيل وبين شجرة الطرفاء (الاثل) ، مع العلم ان الأصل هو سومري لهذه المناظرة ، يطلق على هذه المناظرة باللغة السومرية (ادمندوكا) ، حيث تقترن النخلة في هذا العمل الأدبي بتقديم القرابين للإله سين وطقوس الخصب ، ففي بيت غرست النخله وشجرة اثل ونمتا مع بعض وكبرت الشجرتان حتى أقيمت وليمة في ظل شجرة الاثل التي نابزت النخلة فردت عليها النخلة انك شجرة لا نفع فيها فردت عليها شجرة الاثل تأملي في اثاث البيت وعدي الاخشاب التي أخذت مني لصنعه فالإنسان يتناول الطعام على منضدتي ويشرب الكؤوس المصنوعة من خشبي، فردت عليها انها تزود الكبار والاطفال بالمواد المغذية ولا تخلو موائد العائلة المالكة من ثمارها وانها دائمة الحضور كجزء من القرابين لإله القمر(سين) وانني أكبر منك ستة مرات بل سبع مرات وانا صنو إلهة الحبوب (اشنان) وعلى مدى ثلاثة أشهر يقتات اليتيم والأرملة والرجل الفقير على ثماري دون ان يسالوا الناس الحافا كما ان مذاق تمري حلو وسلالاتي موجودة في كل مكان ، وقالت النخلة لنحتكم إلى الآلهة ، فذهبتا الى الآلهة فقالت النخلة ان شجرة الاثل تنتقص مني وتدعي انها الإفضل ، فجاء الجواب من الآلهة من قال ذلك وانت الشجرة التي حبتك الآلهة ودعتك ، انت المليئة بالخير فمن سعفك نصنع السلال ومن ثمرك ناكل التمر ومن جذعك نصنع البيت ولك اكثر من 300 فائدة اخرى اني ادعوك يا شجرة الاثل ان تتواضعي امام النخلة وان تتقدمك هي بالمنزلة والفائدة[4] .

وانتقالاً إلى العصور الإسلامية وعند ملحمة الفرس الكبرى أو ما تعرف بالشاهنامة لابو القاسم الفردوسي التي ألفها في القرن الحادي عشر للميلاد ، والمكونة من ستين ألف بيت بعد ان نظمها الفردوسي للسلطان محمود الغزنوي ، وبعد ان قضى في نظمها حوالي أربعين سنة ، وأنهاها في حدود عام 1010م ، وتكمن أهمية الشاهنامة بكونها مصدر يستقي منه الإيرانيون عقائدهم المتصلة بتاريخ شعبهم القديم[5] ، ويظهر ان الأدب الإيراني القديم استمر بالتأثر بالأدب العراقي وحتى بعد الإسلام ، وخاصة ما ذكره الفرودسي نفسه عن قصة ميلاد داراب (ربما الملك الأخميني دارا الأول) ، وتقول الأسطورة ان بهمن أحد ملوك الفرس كانت له ابنة تدعى هماي الملقبة جهر أزاد التي تزوجها هو نفسه ، ورزقت منه بابن ، وفيما بعد تتسنم هماي العرش بعد وفاة بهمن ، فلما جاءها المخاض ولدت صبياً قالت إنه مات ، ولما بلغ وليدها ثمانية أشهر ، وضعته في علبة مملوءة بالجواهر ، وشدت على عضده جوهرة لها قيمة عالية ، ثم أمرت فألقي به في نهر الفرات ، وعند النهر وجده قصار يغسل الثياب ، فأخذه واتخذه ابناً عوضاً عن ابنه الميت ، وانتقل مع زوجته وربيبه إلى بلدة ثانية بعدما اسماه داراب لأنه وجده في الماء ، ويقول الفردوسي ان داراب تمنع عن مزاولة مهنة أبيه ، وتعلم الفروسية وسرعان ، وما ذاع صيته في الحروب ، ومن ثم تتعرف عليه أمه هماي وتعطيه العرش[6] ، وبلا شك ان أسطورة الطفل الملقى في النهر هي أسطورة شائعة في أدب العراق القديم ، والتي صيغت حول أحد ملوك سلالة أكد ، وهو شروكين الأكدي (سرجون في التناخ) ، ويمكن ان نقرأ فيها في اللوح المسماري عن هذه الولادة (الشكل رقم 3) :

"انا شروكين الملك العظيم ، ملك بلاد أكد

كانت أمي كاهنة عظمى

وانا لا اعرف أبي

كان شقيق أبي يحب التلال

ومدينتي أزوبيرانو (Azupiranu)

التي تقع على ضفاف الفرات

لقد حملتني أمي وولدتني سراً

ووضعتني في سلة من البردي ختمت غطاءها بالقير

ومن ثم رمتني في النهر الذي لم يغمرني

فحملني النهر وأخذني إلى الغراف اككي (Akki)

فاتخذني الغراف اككي ابناً له

وجعلني الغراف اككي بستانياً عنده

وعندما كنت بستانياً منحتني عشتار حبها

فاضطلعت بالملوكية أربع وخمسين عاماً"[7] .

 

utyy.png

الشكل رقم (3) للوح مسماري يتحدث عن ولادة شروكين الأكدي ، محفوظ في متحف اللوفر في باريس ، والمرقم ب(AO7673) .

 

وعلى الرغم من ان النص الذي يتحدث عن ولادة شروكين الأكدي قد تم تدوينه في القرن السابع قبل الميلاد اي في العصر الآشوري ، إلا انه يبقى الأقدم ، ومن غير شك هناك تماثل كبير بين الأسطورتين ، ففي قصة شروكين تتخلص منه أمه لأنها كاهنة عظمي يمنع عنها الإنجاب ، مثلما فعلت والدة دارا عندما تخلصت من وليدها ولكن هنا لا يذكر السبب ، وكان نهر الفرات هو النهر الذي رمي إليه الطفلان ، وفي الوقت الذي انتشل شروكين من قبل الغراف اككي ، انتشل دارا من قبل قصار كان يغسل ثيابه في النهر ، وكلا البطلين تسلما السلطة من امرأة ، الإلهة عشتار بالنسبة لشروكين ، وهماي بالنسبة لدارا ، وكانت هماي ملكة في حين على الأرجح كانت والدة شروكين من أسرة ملكية[8] ، ومن المعروف في العراق القديم ان الكاهنات من هذه الدرجة كن من الأسرة الملكية ، فقد قام الملوك بتكريس بناتهم لهذا المنصب ، والخدمة في معابد الآلهة مثلما فعل شروكين الأكدي (2371-2316ق.م) عندما عين ابنته انيخدواننا لمنصب الكاهنة العليا لمعبد الإله القمر (سين) في مدينة آور ، ونابونئيد (555-5394ق.م) عندما عين ابنته بيل-شلتي-ناننار في نفس المنصب في معبد الإله سين في أور ، مع ملاحظة وجود اختلاف بين الأسطورتين ، حيث ان الأسطورة التي تخص شروكين الذي ورث مهنة أبيه اككي واصبح بستانياً نجد ان الأسطورة الفارسية تقول ان دارا رفض مزاولة مهنة والده ربما لزيادة الدور البطولي لهذا الملك وإبراز شجاعته[9]

 

[1] - E. Benveniste, “Le texte du Draxt Āsūrīk et la versification Pehlevi », Journal Asiatique,

218, 1930, 193-225.

[2] - D.J.M. Jamasp-Asana, Pahlavi Texts, II, Bombay, 1913, 109-114.

[3] - - قاسم الشواف ، ادونيس ، ديوان الاساطير سومر واكد واشور ، الكتاب الاول ، دار الساقي ، بيروت ، ط1 ، 1999 ، ص89 .

[4] - قاسم الشواف ، ادونيس ، نفس المصدر ، الكتاب الثالث ، ص324 -330 .

[5] - د. اسامة عدنان يحيى ، ابحاث في تاريخ الشرق الادنى القديم ، بغداد ، اشوربانيبال للكتاب الالكتروني ، ط1 ، 2014 ، ص39 .

[6] - د. اسامة عدنان يحيى ، نفس المصدر ، ص39 / انظر ايضاً : ابو القاسم الفردونسي ، الشاهنامة:ملحمة الفرس الكبرى ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط1 ، 1979 ، ص115-117 .

[7] - د. اسامة عدنان يحيى ، نفس المصدر ، ص40 / انظر ايضاً : E.A Speiser, The Legend of Sargon,In:ANET,P.119

[8] - د.اسامة عدنان يحيى ، نفس المصدر ، ص40 .

[9] - د.اسامة عدنان يحيى ، نفس المصدر ، ص41 .

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker