سيف الطائي

التأثير الحضاري لبلاد النهرين على بختاريا و السند ( أفغانستان والباكستان الحاليتين ) خلال القرن الخامس ق.م

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سيف الطائي

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

مدونة : سيف الطائي

يذكر الملك الأخميني داريوش في نقش بيستون أنه عندما كان في بابل ثارت عليه عدة مقاطعات ومن ضمنها مقاطعة ساتاجيديا ، في نفس الوقت الذي ثارت عليه مقاطعة آشور ومصر وعيلام وميديا وسكيثيا . وكما جاء في النقش :

"يقول الملك داريوش: بينما كنت في مدينة بابل ، ثارت هذه المقاطعات ضدي : فارس ، عيلام ، ميديا ، آشور ، مصر ، بارثيا ، مرجيانا ، ساتاجيديا وسكيثيا"[1] .

 لم يشير داريوش في نقوشه إلى الكيفية التي قمع بها تمرد هذه المقاطعة ، إلا أن من المؤكد أنه استطاع أن يعيد إحكام قبضته على هذه المقاطعة التي يرجح إنه أعاد السيطرة عليها عام 515ق.م بعد قيامه بغزو مناطق السند . واختفى ذكر مقاطعة ساتاجيديا بعد عام 480ق.م ، بعد أن كان آخر ذكر لها في عهد الملك الأخميني احشويروش الأول ، ومن الممكن انها قد ذكرت بتسمية اخرى في المصادر اللاحقة . وبعد سقوط الدولة الأخمينية وقدوم المقدونيين أصبحت منطقة هذه المقاطعة والمناطق المحطية بها تحت سيطرتهم ، ثم فيما بعد أصبحت جزء من الإمبراطورية الكوشانية[2] .

اما عن موقعها (الشكل رقم 1) ، فحسب هيرودوت ، تظهر هذه المقاطعة من ضمن دائرة الضرائب للإمبراطورية الأخمينية جنباً إلى جنب مع "ابارياتي[3] ، جاندارا[4] وداديسي[5]" ويعتقد أنها تقع شرق جبال سليمان حتى نهر إندوس في حوض بانو في باكستان . ويعتقد أولمستيد أن هذه المقاطعة امتدت من المنحدرات السفلية في هندو كوش[6] ، وبناء على هذه الافتراضات تم اقتراح موقعين: الأول "منطقة إلتقاء نهري غورباند وبانجشير في أفغانستان" ، والثاني "منطقة السند الأوسط في مدينة بانو الحديثة في باكستان" . وبعد الاكتشافات الأثرية الحديثة في حوض بانو أصبح هذا الخيار هو المفضل عند الباحثين . ويشير ديفيد فلمينك إلى أنها بالقرب من نهري كورام وتوتشي ولها أربعة طرق إلى الغرب عبر ممر خيبر ووادي نهر كورام وممر جومال وممر بولان في بلوشستان[7] ، حيث أظهرت نتائج الحفريات الأثرية في "آكره" في "بانو" في باكستان بأنها موقع حضري كبير كان موجوداً طوال العصر الحديدي وكانت له علاقات تجارية مع آسيا الوسطى[8] .

 

التاثير العراقي على افغانستان 1

الشكل رقم (1)

 

جاء اسم ساتاجيديا من اسم مدينة في العراق تعرف باسم "Sittakê" عاصمة مقاطعة سيتاسين التي ذكرت بالمصادر اليونانية ، والذي اشتق من الصيغة الأكدية المسمارية "URU Sattagû"[9] ، وتعني مدينة ساتاجو او مدينة الساتاجياديين) وكما وردت في النصوص البابلية ، وموقعها بالقرب بين بابل وأرتيميتا[10] ، وان سبب نقل التسمية هو ان سكان ساتاجيديا التي تقع بين إيران وباكستان كانوا من العسكريين والمرحليين من مدينة URU Sattagû إلى تلك المنطقة وهم من إطلق هذه التسمية على هذه المدينة . حيث كانت السياسية الأخمينية تتبع على الدوام سياسة إرسال عسكريين مع عوائلهم من بابل وبلاد الشام وفارس إلى المقاطعات الأخرى وكما في جزيرة الفيل في مصر التي كانت مستعمرة آسيوية ظهرت بها عبادة الإله البابلي مردوك وأبنه الإله نابو وكذلك عبادة الإله يهوه بشكل كبير وكانت اللغة الآرامية هي لغة التخاطب في هذه الجزيرة .

تذكر المصادر اليونانية أن الإسكندر أعاد تنظيم قواته في مدينة سيتاسين بالقرب من بابل قبل أن يتجه إلى مدينة سوسة ، وقبل أن يلتقي بشخصية عربية يدعى "ابولايتس" الذي عينه حاكماً على مدينة سوسة . ومدينة سيتاسين هي نفسها مدينة سباط التي ذكرت في المصادر العربية ، وذكرت في المصادر اليونانية والرومانية باسم ساباتادا ، وموقعها اليوم بالقرب من مدينة قطيسفون ، ويذكر أن لسلوقيين زادوا اهتمامهم بالمدينة وانشأوا بقربها مدينة عرفت باسم انطاكية سيتاسين ، كذلك عرفت باسماء أخرى مثل ابولونيتس وسامبانا .

وعن زينفون في حملة العشرة الالف فارس التي قادها الأغريق ضد الأخمينيين بقيادة الأمير الفارسي قورش الصغير عام 401 ق.م ورد ذكر مدينة سيتاسين ، بعد انسحاب المرتزقة الإغريق بعد أن قتل قورش الصغير ، فأختار المنسحبون طريق نهر دجلة حتى وصلوا إلى مدينة سيتاسين بعد ثمانية فراسخ ، وهذه المدينة هي نقطة عبور دجلة والجسر فيها على قوارب ، وحسب وصف زينفون أن مدينة سيتاسين هي مدينة كبيرة كثيرة النفوس[11] ، ويضعها هرزفليد قرب مدينة واسط ، بينما يعتقد البعض أنها قرب الحومانية الواقعة على مسافة قليلة من قضاء العزيزية[12] ، وكذلك ذكرت هذه المدينة عند سترابو وظهرت عاصمة إدارية للمقاطعة[13] ، وعند بليني فيرد ذكر أرتميتيا التي تقع اليوم في محيط منطقة المقدادية في محافظة ديالى شرق العراق ومدينة وسباتادا ، والتي كانت تتبع مقاطعة سيتاسين[14] ، وعند بطليموس تكرر ذكر سيتاسين ومنها ابولونيتس[15] (الشكل رقم 2) ، وذكر المؤرخ الروماني اميانوس مرشيلينيوس مقاطعة سيتاسين عند ذكر جزء من السور الميدي الذي انشأه الملك البابلي نبوخذنصر الثاني[16] .

 

التاثير العراقي على افغانستان 2

الشكل رقم (2) موقع سيتاسين من خريطة رسمها صانِع الخرائِط الفرِنسي غيوم دو ليل (1675-1726م) بالإعتماد على جغرافية بطليموس .

 

ومن نتائج هذا الأنتقال من بابل إلى أفغانستان وباكستان هو ظهور مؤثرات دينية وثقافية في تلك المناطق ومنها هو عبادة الإلهة "نانا" (الشكل رقم 3) ، وهي أحدى الآلهة الكوشانية المهمة . وكانت مدينة بلخ (باكتريا) في أفغانستان هي مركز عبادة الإلهة نانا ، التي ظهرت لأول مرة باسم (نانا) على عملات سابادبيزيس ملك مدينة بلخ في القرن الأول قبل الميلاد (الشكل رقم 4) ، ثم ظهرت ايضاً بعد قرنين من الزمن على عملات واختام ملوك كوشان ، ولا سيما في منتصف القرن الثاني للميلاد كما في عملات الملك كانيشكا الأول (الشكل رقم 5)  .

 

التاثير العراقي على افغانستان 3

الشكل رقم (3) الصورة للإلهة الكوشانية (نانا) ،عثر عليها في افغانستان في الفترة مابين القرن الخامس والسادس ميلادي، محفوظة في متحف ميتروبوليتان للفنوان .

 

التاثير العراقي على افغانستان 4

 

الشكل رقم (4)

 

 

التاثير العراقي على افغانستان 5

 

الشكل رقم (5)

 

 

وكما يلاحظ أن هذه الإلهة قد أخذت اسمها وصورتها من الإلهة البابلية عشتار (إينانا عند السومريين) ، وهي كانت مرحلة توفيقية بين الإلهة البابلية وإلهة محلية يعتقد إنها من الإلهة (إناهيت) وهي إلهة هندواوربية عبدت في فترة ما قبل الزرادشتية . ويلاحظ ايضاً أن الإلهة نانا في الصورة وهي تجلس فوق اسد ، وهذا ما يشير إلى كونها إلهة حرب ، وكذلك عرفت كإلهة الخصوبة والحكمة والمياه وعلى وجه الخصوص نهر إندوس (نهر السند) الذي عرف باسم هاراهواتي في نصوص الافستا .


1- Based on Roland G. Kent, Old Persian: Grammar, Texts, Lexicon. 1950. 123-124 .

[2] - إمبراطورية كوشان : تأسست بدايةً في أوائل القرن الأول الميلادي تحت قيادة كوجولا كادفيسي في أراضي باكتريا القديمة حول نهر أوكسوس (أمو داريا Amu Darya) ، وتمركزت لاحقًا بالقرب من كابول، أفغانستان .

[3] - ابارياتي : بالمصادر اليونانية تعرف باسم جيدروسيا ، وموقعها اليوم في الجزء الساحلي من بلوشستان التي تقابل مكران اليوم .

[4] - جاندارا : ظهرت بهذا الاسم بالنسخة الفارسية من نقش بيستون ، بينما بالنسخة العيلامية والبابلية عرفت باسم "باروباميسادس" ، ونقع بين باكستان وافغانستان .

[5] - داديسي : أو داراداس هو شعب عاش في الشمال والشمال الغربي من كشمير .

4- Olmstead, History of the Persian Empire 1948, pp. 48–49 .

5- Fleming, Achaemenid Sattagydia 1982, p. 105 .

6- Magee et al., The Achaemenid Empire in South Asia and Recent Excavations 2005, p. 735 .

8- Kessler, K. 2002, "Sittake, Sittakene, Sattagū" in Altorientalische Forschungen 29, 238-248 .

[10] - أرتيميتا تقع في محافظة ديالى اليوم ، شرق العراق .

[11] - سامي سعيد الأحمد ، العراق في كتابات اليونان والرومان ، مجلة سومر ، العدد 26 ، 1970م ، ص121 .

[12][12] - سامي سعيد الأحمد ، نفس المصدر ، ص121 .

[13] - سامي سعيد الأحمد ، نفس المصدر ، ص126 .

[14] - سامي سعيد الأحمد ، نفس المصدر ، ص129 .

[15] سامي سعيد الأحمد ، نفس المصدر ، ص135 .

[16] - سامي سعيد الأحمد ، نفس المصدر ، ص136 .

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker