متابعات

عيون وادي الرافدين تقي من الحسد وتعزز الخشوع

نشرت في جريدة بين نهرين العدد 109 - 24 كانون الثاني 2019 ( أضغط هنا )

د. أمل بورتر

 

emily

الفنون التي وصلتنا من وادي الرافدين تأخذ سمات متميزة واضحة مختلفة تماماً عن فنون أخرى قد تكون معاصرة لها وقريبة منها جغرافيا / حضاريا أو بعيدة أكثر ما وصلنا من هذه الفنون جاء على شكل فخاريات او منحوتات .

تطورت هذه الفنون بشكل طبيعي عضوي تماما كما في حالة الاحياء العضوية التي تستمر بالنمو متغيرة الاشكال ومحافظة على المضامين، ولمحاولة فهمنا لهذه الفنون علينا فهم واستعياب الرسالة التاريخية والاجتماعية التي تحملها عن الزمن الذي انتجت فيه

 

 

 

استوطنت وادي الرافدين اقوام مختلفة، فالسومريون احتلوا القسم الجنوبي منه اما مناطق أعالي الفرات وأواسطه وكذلك اعالي سهل دجلة والشمال فلقد استوطنت من قبل حضارات وفترات زمنية أخرى مختلفة،هذا الاختلاط والتنوع السكاني ربما حصل قبل او في الالف الرابع قبل الميلاد.

فهذا التباين السكاني/الزماني ترك بصماته الواضحة على فنون وادي الرافدين،هذا لا يعني انه لم يكن للسومريين التأثير الاقوى والاكثر فعالية.

ان التأثير السومري شمل أغلب المناطق الممتدة بين دجلة والفرات ويصل الى سوريا شمالاحتى دلمون (البحرين ) جنوبا، كما ان اكتشافات اثرية اتثبتت امتداد هذا التأثير الى ابعد من ذلك.

بما اننا بصدد عيون وادي الرافدين. فالتنقيبات الاثرية كشفت لنا عن كنوز مدفونة، تتحدث عن مواضيع متعددة ولكن اغلبها يصعب فهمها وخاصة التي جاءت قبل عصر التاريخ/التدوين، الا ان ما يستدعي الانتباه /الاهتمام المشترك بين جميع من انتج الاعمال الفنية هي طريقة تنفيذ العيون بشكل يختلف عن مجمل الجسم.

فلو تفحصنا بدقة تماثيل تل الصوان والتي تعود الى فترة 6000 سنة ق.م نجد ان ما يطلق عليه تمثال الالهة الام روعيت النسب بشكل معقول نسبيا، الا العيون فقد نفذت بشكل تجريدي وبمالغة شديدة جدا خارج الحد المألوف، اذ ربما العيون تحتل ثلث الوجه فهذه المبالغة مقصودة فعلا ونجدها ليس فقط في تماثيل الالهة الام بل حتى في تماثيل الذكور، إضافة الى حجم العيون المبالغ فيه هناك ايضا اسلوب طليعي في كيفية تنفيذها، فلقد اولاها الفنان اهمية خاصة فهي في اغلب الاوقات ملونة او محفورة وفيها حجر يختلف لونه عن الجسم، بياض العين واضح كذلك البؤبؤ والحاجب والتعبير /الشكل ايضا متنوع فهناك العيون المدورة او التي تميل الى الاستطالة او ذات بؤبؤ صغير او كبير ويحاول الفنان تنفيذ الاجفان بشكل اقرب الى الواقع مع تفرد في التشخيص.
ان ما يثير الاهتمام حقا بالنسبة للعيون فراديتها وخصوصيتها، النموذج الامثل لذلك هي الجرة الفخارية من موقع حسونة بداية الالف الخامس قبل الميلاد والتي على شكل وجه فتاة،هذه القطعة الاثرية والتي يطلق عليها احيانا (الموناليزا*) لها اهمية خاصة في تنفيذ العيون، اذ ان الخزاف عرف قيمة الطين واعطاه الاهمية التي تبرز خاصية هذه المادة ، طوعها لخدمة عمله الفني فجعل العين بارزة وفيها خط ملون في الوسط توهم المتلقي بانها اما ان تكون مفتوحة او تنظر نظرة حالمة مبتسمة، فحتى في هذه الجرة الفخارية والمعدة للاستعمال اليومي، جاءت فيها العيون لتعبر عن شيء ما مبهم غامض يوحي بالكثير ويتحدث قليلا، حديثا يبدو لنا لغزا غامضا قد يكون السحر والرهبة اساسه.

يأتي الفنان السومري وارثا لكل تلك الالغاز،التي لابد انه كان انذاك قد استطاع ان يفكها ويفهمها بسهولة ،فأخذ يزيد من ذلك الغموض وحافظ على المبالغة، لكنه ادخلها ضمن مضمونها المعقول حسب نسبة الجسم والوجه، اذ هي قواعد يسير عليها ويراعيها حتى الفنان المعاصر، فنجد رأس الفتاة من الوركاء والذي يعود الى 3000سنة قبل الميلاد، هنا في هذه المنحوتة نجد الفنان السومري قد وظّف وجود العين بشكل اولوي واعطاه الاهمية

القصوى تعبيرا وصنعة ،العيون محفورة بتقنية فنية عالية ولابد انها كانت مطعمة والجفون رقيقة والحاجبين معقودين يسيران من ناحية الى اخرى بخطوط منسابة متوازنة ،العين في هذا الوجه كما يقولون في الشعر هي بيت القصيد، لا الفم الدقيق ولا الانف المستقيم ولا الخدود الملساء الناعمة تثير في المتلقي الشعور بالروعة، الا العيون فانها نقطة الارتكاز وهي الحاسة الوحيدة من بين كل حواس الوجه التي تخاطب المشاهد وتشده ،لابد ان المتعبد السومري كان يقضي وقتا طويلا امام هذه العيون.

يستمر الفنان السومري بالاستحواذ على حواس المتعبد المتلقي بالتركيز على العيون ،حتى وهو ينفذ حيواناته فعيون البقر والجاموس والاسود والماعز والغزلان كلها تبدو مثيرة وكبيرة ومهمة،لا يغفلها الفنان وهو منغمر في تنفيذ عمله بتفاصيله الدقيقة وخاصة في الاختام المنبسطة/التابلت او الاسطوانية.

يبقى فنان وادي الرافدين متفاعلا مع اعماله الفنية،يطور تقنيته لتتماشى وتنسجم مع افكاره وخيالاته اللامحدودة ،فيصور كل شيء حسبما توحي له مخيلته الخصبة مسبغا على انتاجه خصوصية ونوعا من الواقعية المغلفة والمطعمة بالتجريد في احيان كثيرة، لكنه يبقى على اعطاء العيون اهمية لا حدود لها ،اذا انها مبعث الرهبة ووسيلة حية للاتصال مع عوالم الغيب فقد تتحدث بدون ان تنطق، وترهب بدون افعال بل بمجرد النظر اليها.

لم تكن المبالغة في تنفيذ العيون مقتصرة على تماثيل الالهة ولو انها اقل شأناعندما ينفذ الفنان عملا لانسان من العامة ،الا انه يرسخ تعبير العيون بحيث يخدم المضمون العام ففي شكل مجموعة من التماثيل السومرية، نجد العيون واسعة ولكن الفم ينفرج عن ابتسامة،هنا نفذت العيون بشكل يؤكد تلك الابتسامة ويزيد من فاعليتها وجاذبيتها.

الاهتمام بالعيون لم يأت عفويا ابدا، لقد لاحظ ذلك كل من نقب واهتم بالاثار، مما يلفت النظر ما اكتشف في تل براك بما يعرف بمقبرة العيون اذ تم اكتشاف اكثر من ثلاثمائة من التماثيل قسم منها على شكل اقنعة، اما القسم الاخر فقط كان الجزء العلوي من جسم الانسان الرأس والكتف مع العيون الواسعة ،كلها وجدت على شرفة معبد يعرف الان بمعبد العيون ،لقد ناقش العلماء هذه الظاهرة الغريبة واستقر الرأي على اعتبار ان لهذه العيون بعدا مهما في العبادة.

لربما ربطت هذه العيون بين القوة السحرية للعيون والاصابة بالحسد وقد تكون تمائم تحمي من الشر الا ان (ماكس مالاوان)(زوج اجاثا كريستى التي عملت معه في العراق) يعتقد انها رموز لأله معين او ربما عدة آلهة ولها صلة وثيقة بالالهة الام ، قد تصور جموع المتعبدين الى الالهة الام وعيونهم شاخصة مفتوحة تتطلع بورع وخشوع .

كما هو معروف نحن نقدم تفسيراتنا، التي تنطلق حسب مفاهيمنا العصرية، اذ ربما بعد ان ارتكز وسيطر الفكر الديني واخذ شكل السلطة المطلقة ،لكن ربما السومري كان ينظر الى الدين كنوع من الشراكة بين الالهة والانسان لذا منح الالهة شكل البشر ومنح البشر عيون الالهة.

اخذ عطاء الفنان السومري يزداد تعقيدا وقربا من الواقع،الى حد ما زالت العفوية التجريدية – السوريالية من كثير من الاعمال الفنية المنتجة والاسباب كثيرة فلو نظرنا الى تمثال دودو الكاتب 2400ق م والى كوديا حاكم لكش(2144ق م ) وتمثال الالهة اي منها لوجدنا بين الالهة والحكام ومن يخدمهم في اي وظيفة تقاربا شديدا بين هيئة الموظف والحاكم والالهة نفسها ، فوضعية الجسم والجلسة واحدة والتفاصيل قريبة متشابهة ، حتى العيون مهمة جدا في كل هذه الشخصيات ،الفرق ان تماثيل عيون الالهة اوسع و في الاغلب تكون قد طعمت باحجار كريمة .

يسير بنا التاريخ لنصل الى الفترة الاكدية ثم الاشورية البابلية الخ ويطل علينا من خلال فترة من تلك الفترات قناع-تمثال سرجون الاكدي او ربما حفيده نرام سن، اذ ما زالت هناك اشكالية في تحديد الشخصية ، يستحوذ هذا العمل على كل المشاعر، لن احاول وصف هذا التمثال ،فما يقوله عن نفسه ابرع من اي قلم قد يكتب اوقد كتب عنه ،لكنني اسمح لنفسي بان اسرح في عيون هذا التمثال رغم الكسور والتخريب الذي اصابه ، الحاجب منفذ بكثير من العناية والدقة ويذكر المشاهد بعمله البايولجي الذي اسندته الطبيعة اليه، اي هو حماية العيون فنجد الحاجب هنا يرعى ويحمي العيون وكأنه ملتف حولها يحتضنها من الاذى، ما بقى من العيون يوحي لنا بالشموخ والعظمة المفعمة بالرقة والحيوية ،لابد ان العيون كانت مطعمة والانف دقيق ورقيق يعزز من اهمية العين ولا ينافسها وكذلك الفم والشارب الذي جاء مكملا لكل هذا الجلال والهيبة.

في هذا العصر بعد ان تطورت البشرية وقطعت شوطا بعيدا اصبح للحياة متطلباتها المعقدة ،انعكس ذلك سلبا واحيانا ايجابا على العمل الفني ولكن بقى التأثير السومري الواضح بكل عفويته ونقائه .المحافظة على التقاليد السومرية كانت اهم ما يسعى اليه مجتمع النخبة في الاجيال التي تلته وما كتابة التاريخ وتدوين الاحداث وتسجيل الماضي من قبل حضارات متعاقبة بالسومرية الا علامة اكيدة على هذه الاهمية.

يأخذ الفن بعدا اخر في الفترة الاشورية التي وضحت فيها سيطرة القوة العسكرية والحاكم الدنيوي سيطرة تامة مطلقة، خلالها اخذ الفنان ينفذ ما تطلبه منه الدولة لترويج مفاهيمها وتدعيم سياستها،هنا امتاز العمل الفني بصبغة(الانتاج العام) ولكن الفنان قد تطور حسه /وعيه لبيئته/ وللمادة المستخدمة، كذلك لموضوعاته واخذ يقولب اعماله وفقا لمتطلبات جديدة مراعيا فيها ما يطلبه منه اصحاب السلطة، لكنه لم يستطيع ان يطوع العيون وينفذها بشكل بعيد عن موروثه القديم ،رغم صبغة اعماله بالشمولية والتشابهة الا ان العيون الاشورية بقيت عيونا سومرية في الجوهر، كما احتلت مكانة اولية اساسية في التعبير الفني، خير مثال على ذلك وجه الفتاة من نمرود او (موناليزا*) نمرود وهذا ما تعرف به عالميا، فرغم ان العيون اخذت حجمها الطبيعي ومكانتها الواقعية في مضمون الوجه والتشريح، الا انها ما زالت تشد الناظر اليها رغم الابتسامة الجميلة على الشفاه، فتلك الابتسامة لم تستطيع ان تسحب الناظر اليها فقط بل شاركتها العيون التي تتحدث بكبرياء وتنظر بتحد الى المشاهد في عينيه،لا تحيد النظر تواجهه بصراحة وقوة، لكنها تخفف من تلك القوة بابتسامة خجولة حميمة /شفيفة وبرقة صميمة اليفة وانيقة. هنا الابتسامة سرت من الفم واحتلت العيون فنجد العين كأنها تحاول ان تغمزمنتشية بروح الفرحة.
كل هذه المعطيات تعود لتذكرنا بصنعة ومهارة وخصب خيال الفنان السومري الواضحة في نتاجاته الطليعية.

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker