كلكامش نبيل

آسيا الصغرى وإيران - جسور بين الحضارات

Posted in كلكامش نبيل

أعتمد هذه المقالة على ما ورد ذكره في كتاب، "الشرق واليونان القديمة" بقلم أندريه أيمار، الأستاذ في جامعة السوربون والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في باريس وجانين أوبوايه، أمينة متحف غيمة. حيث يتكلم الأستاذ أيمار وأوبوايه عن آسيا الصغرى وإيران في الفصل الثالث من المجلد الأول من موسوعة "تاريخ الحضارات العام" بإشراف موريس كروزيه. المجلد الأول ترجمة فريد داغر وفؤاد أبو ريحان. 

حضارات مركبة 

عند تناول الفصل للحضارات الحثية والليدية والفريجية والأخمينية، نستنتج أن الكتاب يرجحون – من خلال العرض التاريخي – كونها ليست حضارات مبكرة ولا أصيلة تعبر عن تجارب شعوبها الخاصة، بل حضارات مركبة نهلت من مواطن الحضارات الأولى المجاورة لها. كما يعتبرها الكاتبان "اقل شروقاً ونبوغاَ – وأكثر ميوعة وأقل ديمومة." 

الحثيين – سمات سامية وهندو-أوروبية 

عن الحضارة الحثية، نتفاجأ بعدم ترجيح الباحثين لنظرية كون هذه الحضارة هندو-أوروبية، بل عداها شعباً أسياني الأصول تأثر بعناصر سامية – آشورية في الاساس – من خلال التجار الآشوريين ومستوطناتهم التجارية في كبادوكيا في وسط الأناضول، وعناصر هندو-أوروبية من خلال تراقيا في الغرب. ويتحدث الباحثون عن التأثير المصري المتجسد في تأليه الملك، لكنه لم يتبلور بذات الدرجة لأن المجتمع يتألف من نبلاء وطبقات أخرى ذات نفوذ. ويمكن أن أضيف بأن هناك تأثير مصري في الفن الحثي بلا شك. 

قوانين نهرينية بنزعة سومرية 

وعن القوانين الحثية، نقرأ بأنها متأثرة بدرجة كبيرة بقوانين بلاد النهرين، حيث جاء في الصفحة 205، "لدينا مجموعتان من القوانين الحثية وضعت على غرار بلاد ما بين النهرين وأوجدت الحلول لمشاكل مماثلة. نملك أيضاً عقودا تشريعية حورية. ولم يأت النظام التشريعي بشيء جديد، وقد تأثر بحضارات أودية دجلة والفرات." لكنها كانت أقل قسوة من مثيلاتها في بلاد النهرين، وتشمل القليل من العقوبات الجسدية وتركز على الغرامة المالية – وهو ما يشابه القوانين السومرية غير السامية حسب اعتقادي، حيث نقرأ أن عقوبة السرقة ليست الموت بل غرامة تعادل قيمتها 24 مرة قيمة الشيء المسروق.

ألف إله وديانة غامضة 

أما من ناحية الديانة، فنجد أن هناك غموض يكتنف الديانة الحثية القديمة – مع عدد كبير من الآلهة – بما فيها آلهة مقتبسة من شعوب أخرى – كاقتباس عشتار من بلاد النهرين. ولكثرة الآلهة كانوا يقولون في الأدعية "يا آلهة الحثيين الألف" لضمان شمول جميع الآلهة. ومن عناصر الشبه الأخرى بينهم وبين السومريين تعظيم المرأة، فقد كانت أهم آلهتهم – إلهة الشمس – تتمثل في إلهة امرأة ويرجح الكتاب انتقالها بصور أخرى إلى اليونان وأوروبا. وفي الطقوس، كانوا يهتمون بالفلك وقراءة كبد الذبائح – وهي طقوس تمارس في بلاد النهرين – وروما أيضاً بحسب مؤلفي الكتاب. 

يعتبر الكاتبان الحثيين جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، حيث نقرأ في الصفحة 208 من الكتاب، "نجد أن الحثيين، وبصورة ثانوية حوريي ميتاني، قد لعبوا دوراً هاماً في نشر المعتقدات الدينية. ولم يكتف الحثيون بالمحافظة على الاساس الأسياني واقتباس بعض العناصر من بلاد الرافدين بل سهلوا انتقال كل هذه المعالم إلى امكنة اخرى على سواحل البحر المتوسط الشرقية." 

الليديين – رفاهية تغري اليونانيين 

لا نقرأ الكثير عن الحضارتين الليدية والفريجية بصراحة، لكن الكتاب يركز على ثروة ورفاهية هذين الشعبين وذكرهما في النصوص الآشورية، وكيف أن الحضارة الليدية ألهمت اليونان مظاهر العيش المترف وكيف أن الدعارة كانت تحاط بهالة مقدسة وصفة شائعة لأغلب نسائها. نقرأ عن انجازات الليديين، "ظهرت أول عملية سك نقود فضية في بلاد اليونان، بينما غدا كريسوس أول من سك نقوداً ذهبية في عالم البحر الأبيض المتوسط." 

الأخمينيين - الظهور المفاجئ 

يتناول الكتاب الحضارة الفارسية "الأخمينية" فقط بتفصيل أكبر، لكنه موجز مع ذلك. ويعتبر ظهور هذا الشعب على مسرح التاريخ مفاجئاً، لكنه استفاد من عظمة البلاد القديمة التي اخضعها، حيث نقرأ في الصفحة 214، "كانت هذه القوى لشعب لم يعره أحد قبلاً كبير اهتمام، وينتمي إلى الأرومة الهندو-أوروبية، وكان قد استقر في الألف الثاني ق.م. في جهات هضبة ايران الغربية. وجاوره جنوباً السوزيون (نسبة إلى سوسا) الذين كانوا قد اقتبسوا حياة سكان بلاد الرافدين منذ زمن قديم. ولكن فصلت سلسلة جبال زاغروس بين هذا الشعب وبلاد ما بين النهرين. ومع هذا تأتي على ذكره بعض المرار نصوص آشورية. وعندما يقرأوها المرء يعتقد بأنه ازاء قوم من البدو السرقة المقلقين. ورويداً رويداً استقر بعض منهم ونظموا حياتهم حسب تطور لا نزال نجهله." 

نفوذ بلاد النهرين على فارس 

ويكمل الكتاب عن تأثر الحضارة الفارسية بمجاوراتها ولاسيما بلاد النهرين، وهو تأثير واضح على الفن والعمارة والأختام الاسطوانية والكتابة وتقاليد البلاط وأغلب التفاصيل الأخرى لكل قارئ للتاريخ القديم، حيث نقرأ في الصفحة 218، "تأثرت الحضارة الفارسية بمجارٍ كثيرة أخرى، جعلت منها حضارة شرقية. وتعتبر هذه الحضارة، أكثر من كل زميلاتها السابقة، نقطة التقاء. ونسبة لما قام به الماديون والفرس من علاقات مع سوسة وبلاد الآشوريين فإنهم تخطوا الحياة البدوية الصرفة. ثم جعلت الفتوحات من الأخمينيين ورثة أعظم الامبراطوريات القديمة وسادة أقطار تأصلت فيها أشد الحضارات قدماً. ومع أن هذه الحضارات كانت قد أشرفت على المغيب فإنها تركت تقاليد وآثار باهرة: فكيف التهرب اذن من اشعاعها؟ وبرز تأثير الشرق قوياً جداً، خاصة نفوذ بلاد الرافدين، وهي أقرب إلى وسط الامبراطورية وأشد تنظيماً من مصر البعيدة." 

الآرامية – تأثير نهريني آخر على البلاط الفارسي 

وعن تبني اللغة الآرامية من قبل البلاط الفارسي نقرأ في الصفحة 220، "لم تكتب الفارسية، لغة الملوك، قبل داريوس الأول. ولهذا الهدف تبنوا العلامات المسمارية. واستعملوا اللغة الفارسية في النقوش الرسمية والاستعراضية، كما استعملوا في الوقت ذاته لغات الممالك القديمة كلغتي بلاد أكاد وسوسة. وقد سمحت هذه النصوص المكتوبة باللغات الثلاث للعلماء المعاصرين أن يحلوا رموز هذه اللغات المنقرضة وذلك لما عرفوه من اللغة الفارسية بواسطة كتب البارسيس الدينية الذين يقيمون في الهند. ولكن لم تصبح هذه اللغة سهلة التداول لأنها فرضت استعمال الخزف. وكانت المملكة الآشورية قد بدأت تستعمل اللغة الآرامية: وهكذا اعتبرت المملكة الفارسية الآرامية اللغة الوحيدة للأعمال الادارية." 

تسامح ديني وتحامل على بابل 

يذكر الكتاب التسامح الفارسي مع الأديان الأخرى وموقف الملوك الأخمينيين من اليهود والسماح لهم بالعودة إلى ارضهم، لكنه يذكر أسباب ضعف الامبراطورية وتشظيها وكثرة الثورات عليها، ويذكر اضطهاداً خاصاً لبابل على وجه الخصوص، فنقرأ في الصفحة 222، " وقد نجد تفسيراً للثورات المتكررة في بلاد بابل دون اعتماد الافتراض القائل بزيادة تلك الضرائب. فهي كانت منذ الأساس المرزبانة الأشد احتقاراً والمفروض عليها أبهظ جزية إذ اجبرت سنوياً على تأدية ألف مثقال فضة وخمسمئة خصي. وكان قسم من الجزية يدفع خيرات طبيعية والقسم الآخر سبائك من المعدن الثمين." وقد يبدو ذلك غريباً مع سياسة الانفتاح على الآخرين، حيث نقرأ في الصفحة 224، "وإن لم يعرف العالم القديم، منذ هذا التاريخ، إلا بصورة استثنائية التعصب الديني، فان ذلك يعود إلى المثل الذي ضربه الملوك الفرس." 

تأثير بابلي-آشوري على الفن الفارسي 

يتحدث الكتاب عن تاثر الفن الأخميني بالحضارات المجاورة وعدم امتلاكه صفاته المتميزة التي تعبر عن هويته المستقلة، ويوضح أسباب ذلك، فنقرأ في الصفحة 227، "يقول داريوس الأول، "لقد أتيت من بعيد بالمواد التي بنيتُ بها هذا القصر في سوسة. والشعب البابلي هو الذي حفر الأرض وكوّم الحصى، وجلب الأرز من لبنان. وقد أتى به البابليون حتى بابل، وأوصله من بابل "الأيونيون والكاريون" – وهم مسبيون – إلى سوسة. وأتوا بخشب الصندل من الهند، والذهب من سرديس وبكتريه، واللازورد والزنجفر من سوغديانه، والفيروز من بلاد خوارزم، والفضة والرصاص من مصر، والمواد التي تزين الجدران من أيونية، والعاج من أثيوبيا والهند، والعواميد الحجرية من كاريه. وكان نحاتو الحجارة أيونيين وليديين، والصاغة ليديين ومصريين وعمال الخزف بابليين، ومزينو الجدران ماديين ومصريين. لقد انجز عمل باهر في سوسة. ليحمني الإله أورموزد." ويواصل في الصفحة 229 ما يوضح التأثير الآشوري على مدينة برسيبوليس، "وهناك أيضاً رسوم ونقوش نافرة – وهذا ما يحدث نادرا جدا – تستلهم الرسوم الآشورية: الثور المجنح وله رأس بشري، صراع الأسد والثور، قتل وحش هائل بيد الملك. ولا نرى أي رسم أو ظل رسم لامرأة، بل نجد دوماً رسوم الملك ورعياه وجنوده وثروته وعظمته دون عطفه." 

وفي ختام هذا الفصل من هذا الكتاب نستنتج أن هذه الحضارات كانت جسوراً نهلت من الحضارات الأكثر قدماً وبلورت صفات أخرى نقلتها بدورها لشعوب أخرى فكانت بمثابة جسور ونقاط التقاء بين الحضارات.

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker