... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه Bookmark and Share

 

        08/11/2010 06:00 AM

 


الفن الرافديني - إبداعات شعب عريق







لو تعمقنا بدراسة الفن بشكل عام والفن العراقي بشكل خاص لتبين لنا بشكل واضح أن للفن شأنه شان الامور الحضارية الأخرى جذور وأصول تاريخية ضاربة في القدم. وهذه الجذور قد تفوق ما يتصوره الفنانون المختصون أنفسهم، ولعلهم يندهشون بأنواع الفن وتعد د مجالاته وأنماطه التي قد تتطابق مع مجالات الفن الحديث بشكل كبير.

وتؤكد الدراسة أن الجذور الفنية الأولى تمتد منذ  العصر الحجري الحديث أي بحدود الألف التاسع قبل الميلاد.

ومن خلال التتبع والاستقصاء يظهر أن تلك الفنون الأولى كانت في تطور مستمر ملازم لتطور الحضارة القديمة حتى أصبح لدينا ما يمكن أن يشكل بداية الفنون الجميلة. حيث كشفت آثار الأجيال القديمة لنا بدايات النحت والرسم والزخارف والتلوين وأمورعديدة تدخل في مضمار الفنون التشكيلية التي شكلت الجذورالأولى للفن بشكل عام، والفن العراقي بشكل خاص. وهذا ما يؤكده الباحثون و الدارسون المختصون في الفنون وعلم الآثار. حيث تؤكد تلك القطع الأثرية التي يمكن الرجوع أليها بعد الإطلاع عليها في مواقع تواجدها لدى الجهات المعنية في العراق كما هو معروف أن الهيأة العامة للآثار و التراث هي الجهة الرسمية الوحيدة التي تملك حق التحري والتنقيب في المواقع الأثرية وحق الاحتفاظ بالآثار المنقولة وصيانة الأبنية الأثرية والتراثية.



رجوع

100% 75% 50% 25% 0%




عدد المشاركات:2    

   مشاركات القراء

 

الدكتور زهير صاحب
اضيف بتاريخ, Monday, May 05, 2014
العراق

آنية الفخار الرافدينية
أكدّت (التاريخية) إلى أَن أقدم إنجازات الفكر الإنساني في الفنون، تَعود إلى (30000 سنة ق.م) مُتمثلة برسوم ومنحوتات الكهوف. في حين تراجع اختراع إناء الفخار على أرض الرافدين، الى مطلع الألف السابع قبل الميلاد، ومدعاة ذلك التأخير في التراتبية: يعود إلى أن صناعة الفخار تحتاج الى معرفة علمية بكيمياء المواد، أكثر من عملية إنجاز الرسوم والمنحوتات الحجرية والطينية.
لم تكن عملية الاختراع نتيجة الصُدفة، إنما قامت على فعل التجريب بعدّه وسيلة لتكامل الخبرة. فحين عرف الأنسان في حينه: أن الحرارة تُصّلب الأجسام الطينية، نقل تلك الخبرة إلى مجال التطبيق، فكانت نتائجها بسيطة في البداية، إلا أنها سُرعان ما تَطورت من إبداعات رديئة الحّرق إلى آنية صلبة جيدة الفَخر.
شكل الأناء الفخاري: بناء هندسي يشبه منظومة خطوط العمارة بعد رفع كتل البناء عنها، فقوامه تركيب تجريدي لا يشبه شيئاً إلا نفسه. تتفعل جماليته من خلال تركيب عناصره البنائية، بوصفه (بناء) منغلق على نفسه، تُؤسسهُ حركة الخطوط المُتخيلة في ذهنية الفنان. نوع من الشعر قوامه تركيب الألفاظ والكلمات، إذ تحوّل الشكل فيه إلى مضمون.
خامة الأناء الفخاري عبارة عن مُركب كيميائي، يُخشى انفجاره أثناء عملية الحَرق. وبغية إخراس الإعصار، لابد من تحويل واحدية الخامة نحو تَعددها، فَتُعجن الأطيان مع مركبات أخرى تُحيلها الى صيرورة جديدة. وذلك فِعلُ وقائي يَحمي الخامة من عدوانية الحرارة، التي سَترغمها إلى التحول من حال إلى حال آخر، إثرَ المُتغيرات الخطيرة في تفاعل عناصرها.
شُكلّت الآنية الفخارية في عصر قبل الكتابة على أرض الرافدين، بالطريقة اليدوية، التي تتطلب نشاطاً حرفياً واستعداداً مَهارياً، لأصابع اليدين وهي تتعايش في ألفة أليفة مع كتلة الطين. فالتأمل والخيال وحدهما اللذان يَقودا فعل الأبداع في تناسب الأشكال وكمالها، برؤية جمالية للشكل الذي ينبني داخل شرنقتهِ، كتلك الرؤية التي تُميز تماثيل (مايكل أنجلو) المكتملة بسبب عدم إنهائها، حين يَجلي الغبار عن أشكال مُتخفية في كتل الرخام كان يراها وَحدهُ.
والطريقة اليدوية الأكثر شيوعاً في بناء الأوعية، تنتمي الى قوانين العمارة، أكثر من انتمائها لفن الفخار، إذ أنها تعتمد على بناء اللوالب الطينية (الحبال) Coils على قاعدتها تدريجياً حتى بلوغ الارتفاع المطلوب. فيتطلب الارتفاع بالكتلة، نوعاً من السيطرة الذهنية واليدوية على قوانين الارتكاز والتوازن في مُنعطف، والسيطرة على حركة الخطوط وشاعريتها الإيقاعية، وهي ترتفع تدريجياً في الفضاء، مشيدة هيئة الآنية الخطية في مُنعطف آخر.
ابتكر السومريون دولاب الفخار السريع الدوران لتشكيل الآنية في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، لتلبية الطلب الاجتماعي المتزايد عليها. الأمر الذي استوجبَ وجود نوعاً جديداً من الوعي التقني والجمالي للخامة، إذ إن ذلك الفعل التقني يحتاج الى نوع من خاصية الاستجابة، لاستعداد الخامة على التشكل السريع، بفعل حركة الآلة السريعة أثناء عملية البناء. وذلك شأن أشبه بالرهان، بمراقبة ما يَحدث في حينه، وما يَعقب ذلك من حُدوث، والمُشكل بأكملهِ، يحتاج إلى مُراقبة عقلية وبصرية دقيقة للشكل، الذي ينمو سريعاً. فالضغط اليدوي على كتلة الطين الرقيقة، يُفسد العمل الفني، وربما يؤدي ارتخاء اليدين الى نفس النتيجة، تُرى ما أصعب أن تُشيد عمارة من دُخان.
إن إشكالية الوعي الجمالي بأنية الفخار، هي تداوله في قضاء حاجات الإنسان اليومية. فوظائفهِ تلك تتدخل بشكل (سافر) في تحديد منظومة أشكالهِ، ولا ضير في ذلك لأن نشدان الجمالية، كامن في تعالق خاصية الوظائف وأنظمة الأشكال. وإن آلية فصل المنفعة عن الجمالية في الفخاريات الرافدينية، هي فكرة كامنة في مُخيلتنا فقط. فمن المستحيل إقامة خط فاصل بين خصوصية المنفعة والإحساس الجمالي، كونهما مندمجان في كل واحد مثل اندماج المهارة بالصنعة.
لامَست قطع الحجر والحصى مئات المرات، سطوح الآنية الفخارية، لإزالة الزوائد الطينية بالقشط Turning، أو صقلها بالدّلك Burishing. وجوهر هذين الفعلين هو مثابة هيمنة للذاتي على الموضوعي، إنه الحفر في منطقة (النص) لإبلاغه تمظهراتهِ الجمالية، نوع من التصحيح في حراك الخطوط الشاعري، لإيصاله الى إيقاعه الهندسي الجميل، فالعملية في جوهرها تُعدّ الجذر التاريخي لتقنيات الحَك والشطب التي تُصّنع السطح الجمالي البصري لرسوم الفن المعاصر. نوع من المثاقفة بين أجناس الفن وتواريخها، إمعاناً بتأسيس سطوح جمالية، تدعونا للتحرر من قيود المظهرية المباشرة، سعياً لتحقيق وجود حقيقي وجوهري.
تبتلع النار كل الأشياء التي تُلقى فيها وتحيلها الى عدم، ما عدا الأطيان، فانها تُسهم في نُضجها، بإحالتها الى فخار. فذلك النوع من الفعل الوجودي رغم فضيلتهِ، فانه يُعدّ من أخطر الفعاليات في خاصية الصنعة، فأي زيادة او نقصان في (فعل) الحرارة، يُحيلان الأناء الفخاري الى عدم. فالحاجة ماسة الى تناسب (رقمي) في آليات التفاعل، وذلك يَتطلب خبرة وتجريب كبيرين، لتحقيق العملية الإبداعية بهذا الخصوص.
يَعتقد البعض خطئاً، أن الموضوعي ــ النار ــ هو المُنتصر الأبدي على الذاتي ــ الفنان ــ في خاصية الصنعة. بوصفها الفعل المُقرر لإبداع الأجسام الفخارية على وفق إرادتها. والصحيح هو أن الذاتي المُتجسد بالتطور العلمي والتقني، هو القصد والإرادة، الذي استقدم النار لدائرة عمل الفن. شريطة التحكم المصُيب بالعملية التقنية، كي لا تتحول الى عقاب من دون ثواب.
حين ازدانت السطوح البصرية لآنية الفخار، بالرسوم الملونة، والمشاهد النحتية المُنفذة بالحفر أو الإضافة. أصبح الأناء الفخاري بمثابة الأحجية التي تُفسّر المفاهيم المتحركة في الفكر الاجتماعي. بعدّهِ حاملاً لثقافة عصِره، ومحدداً بمنظومة من الضاغطات الفكرية المهيمنة في بنية حاضنه الحضاري. إذ إن ما عَرضته الرسوم والمنحوتات، يُعدّ نوعاً من التأويلات الشكلية الرمزية لمفاهيم الانسان ومعتقداته، بوصفه خطاباً أو بلاغاً شكلياً، مكَّن الأنسان ان يتداول ما في داخليتهِ من خِبرات وأحاسيس. وبفعل تداوله لمقولات الآنية في الممارسات الاجتماعية، أن اصبحت مثابة اصطلاحات، لا تتطلب استغراقاً ذهنياً خاصاً من قبل الفرد أو الجماعة، لفك مغاليق دلالاتها الرمزية.
سواءُ أكان الأسلوب المُتبع في إنجاز الرسوم والمنحوتات، يقوم على تقنية نَسخ معطيات التجربة الخارجية (وذلك أضعف الأيمان)، أم يرتقي نحو التأويلات الذاتية بفعل هيمنة سلطة الذاتي على الموضوعي، أو تتسامى آليات الإظهار، نحو التجريد الذي يتجاهل المرئيات نحو (الحدس) الكامن في المُتخيل ما بَعدَ المشهد التشكيلي، عندئذ تتشظى دلالة المشهد الى كل ما تُومئ إليه من أفكار في حراك الفكر الاجتماعي.
فحين اقتحم إناء الفخار أسيجة المعابد، واجهَ عالم الكهنوت، والدائرة الواسعة من الشعائر والطقوس الدينية. فأصبحت المعرفة الجمالية بمثابة الكشف عن الأنسان وعن الأشياء في خاصياتها (العميقة) الذاتية، كونها أتاحت لنا الفرصة لأن نَتنبأ عما وراء الأنسان من مُدركات، تُعدّ بمثابة ولائه للقوى (الكونية) المُهددة لوجودهِ. إذ أظهرت نتائج الاكتشافات الأثرية، ان أروع آنية الفخار الملونة او المُزينة بالأشكال النحتية، كانت ودائغ قبور، أي انها أدوات جنائزية، كانت مثابة نداء نحو المجهول، لنيل حسن الحال في عوالم ما بعد الموت المُعتمة المعالم.
فَهِمَ الفنان نظام العلاقة التصميمي، بين المشاهد المُمثَلة والسطوح البصرية للأنية. فقّدم حلولاً لنظم العلاقات ما بين رسوم السطوح الخارجية والداخلية، وعلاقة ذلك بآليات إظهار مسرحة الأحداث، وأساليب سرد الوقائع، وإدراك مراكز انظمة التصميم التصويرية وعلائقها الجمالية المتناسبة، مع العقد الفكرية الاساسية في (دراما) مسرحة المشاهد التصويرية، بالتركيز على الأساسي واستثناء الثانوي، في الخصوصيات الموضوعية والشكلانية للمشاهد.
فمشاهد الصحون التصويرية، تتركز على السطوح الداخلية للآنية وتدور مع دورتها الى ما لا نهاية من المفاجئات الشكلية، أما رسوم الأوعية العميقة كالجرار فإنها تشغل سطوحها الخارجية، إذ تتركز على اكتاف الآنية وأبدانها المخروطية، فتوفر استدارة تلك السطوح التصويرية تأكيداً لبداية المشهد وتُخفي نهايته. فالفكرة هنا أشبه بدوران الختم الاسطواني، الذي يعود كل مرة حين يُدحرج على سطوح الطين المستوية الطرية، الى تأكيد نفسه في خصوصيتهِ.
فالزمن عامل فاعل في سرد الأحداث، وكذلك اتجاهات حركة المفردات التصويرية، وهيمنة بعضها على البعض الآخر. في حين يُشّفر تكرار الوحدات التصويرية في المشاهد، إلى تأكيد المعنى في مَلمَح، وتحقيق نوع من الزخرفية الجمالية في نظام المشاهد المصورة في مَلمَح آخر.
لعل أجمل روائع مُتحف الفخار العراقي، كانت نسقاً من اشكال الصحون من دور حلف (5000 ق.م)، التي يمكن وصفها على انها لوحات مرسومة، عوضاً عن كونها آنية فخارية. وتضم تلك المنظومة اللونية سلسلة من الآنية، تُزين سطوحها الخارجية اشرطة ضيقة، حَصرت بداخلها وحدات شكلية هندسية كأشكال الخطوط المتموجة أو أشكال المثلثات والمعينات. بوصفها استبدالات فكرية عن الصور المُدركة حسياً، فصلة التشبيه المادية المنظورة، قد تَمّت الاستعاضة عنها بصلة روحية (مُتضَمنة) هي صلة الرمز. فَبدت تلك التقابلات واضحة في منظومة الأشكال المرسومة، بشكل (صيرورة) رمزية، تضم عالم الحواس بصفتها المُثيرة للمشاعر، وعالم الروح بعدّها كشفاً عن بنية المعتقد الاجتماعي.
أما الشكل المركزي المُهيمن في المشهد، فيقع في مركز السطح التصويري الداخلي للأناء، ويتمثل بعدد من الأشكال الرمزية، التي استعارها الفنان من بيئتهِ الطبيعية، وأولّها شكلاً ومضموناً، على وفق إشكالاتهِ الفكرية الاجتماعية. ومن أمثلتها زهرة البيبون البرية التي احتلت مركز السطح البصري لأحد الآنية، والتي يدور حولها اشرطة ضيقة لأزهار من النوع نفسه، لتأكيد خطابها الرمزي في بنية المشهد. لتتناسل دلالة الرمز في حِراك الفكر الاجتماعي، فتبلغ إضافة إلى إيقاعها الشكلي الجمالي، عن حزمة من الدلالات المشفّرة عن الرغبة بوفرة المحاصيل الزراعية وديمومة الرخاء في تفاصل حياة الإنسان. بكل ما يعنيه (الربيع) من دلالات فكرية لشعب أرض الرافدين، الذين أحبّوا اللون والباليت قبل عصر الانطباعية بأكثر من ستة آلاف سنة.



د. زهير صاحب
اضيف بتاريخ, Sunday, February 23, 2014
العراق

وحة النساء الراقصات (5300 ق.م)
أزاح فنانو الرسم الحديث، هيئة اللوحة التي نَمذّجوها بأشكال مثلثة او دائرية، بدلاً من شكلها السياقي المربع أو المستطيل المُتعارف عليه. ولوحة النساء الراقصات واحدةً من تلك اللوحات الدائرية، التي رُسمت على المساحة الداخلية المدورة لأحد الصحون الفخارية الجميلة، التي اكتشفت من قبل عالم الآثار الألماني الجنسية (هيرسفلد) Herzfeld في العالم 1911م في مقبرة تعود لدور سامراء من عصر قبل الكتابة (5300 ق.م)، تحت تباليط الدور الإسلامية في سامراء. ومنذ ذلك التاريخ، يًفتخر متحف برلين بعرضها بعدّها واحدة من الإبداعات المتفردة في تاريخ الفن على أرض الرافدين.
بدا نداء الحياة والحرُص على تَجددها، واضحاً في مُدركات انسان عصر قبل الكتابة، ولا سيما في تشخيص مظاهر النماء والخصب والتجدد في حِراك الظواهر، وتقديسه لها في شعائره وممارساته وطقوسه الدينية، بغية كسب معادلة الوجود لصالحه. إلا ان تلك المعادلة الوجودية، كانت تتآكل على مرأى منه يومياً، بفعل ظاهرة الموت الرهيبة، التي أرقّهُ كثيراً (ماهيتها) فاعتقد مُتوهماً أنها من فعل إرادات قوى يصعب التكهن برغباتها. إلا إن تحسبه المُضني لم يستمر طويلاً، إذ وَلدّتً الدورة الإيقاعية السرمدية في تعاقب الظواهر الطبيعية، حيث الليل والنهار والولادة والموت ونمو النباتات وموتها التي لا تتوقف أبداً، ولَدّت في بنية تفكيره أن لا ثبات لمظاهر الوجود، فطالما ان هناك موتاً، فان هناك حياة وصيرورة وجود.
فاكتسبت هذه (الرؤية) شعائر وطقوساً دينية لا حصَرَ لها، وأصبحت عالماً مليئاً بالأسرار والأرواح والقوى، وَجَب على الإنسان تَحمّل ذلك العبء الكبير لاستعطافها بغية نيل حياتهِ بعد الموت، التي كانت معالمها مشابهة تماماً لحياته الأولى. فنشطت طقوسه الجمعية التي كانت بشكل فعاليات متضايفة من الممارسات السحرية وطقوس الدفن وتقديم القرابين، التي حَرصَ على أدائها بتضحيات مادية كبيرة. ومع ذلك فان نتائجها كانت بمثابة الرحلة الى المجهول في داخلية كل اناس شعب عصر قبل الكتابة.
استعارَ الفنان أربعاً من أشكال النسوة، رَسَمهنَ في وضعية الرقص. وَرَتبهّنَ بوضع متصالب في مركز سطح الأناء الداخلي، الأمر الذي قَسّمَ مركز التصميم إلى اربع فضاءات تصويرية متساوية. فيما مَسّرحَ حولهن ثمانٍ من اشكال العقارب بحركة دورانية (عكس عقرب الساعة) على مقربة من حافة الأناء الداخلية. تُوحي حركة الأشكال الدورانية بعلاقة تصميمية متناسبة مع السطح التصويري الدائري الشكل، إذ تمكن الفنان من إبداع نظام تكويني للمشهد المرسوم، يتناسب مع آليات سَرد مقولة الحدث المُصور الذي ربطت فيه ذهنية (المُبدع) بين المادي والروحي. فنحن هنا أمام وضع حركي طقوسي، كان مثابة الحل (الصوري) للكارثة الاجتماعية التي عاشتها الجماعات الزراعية النامية.
أنبنت فكرة التركيب الرمزي في المشهد المرسوم، على منظومتين من الأشكال الرمزية، أدّت أدوارها الدلالية كأضداد في حِراك الفكر الاجتماعي. فخطاب أجساد النسوة الراقص يُعّد تلخيصاً لمظاهر التناسل والخصب والتجدد في الوجود، أما أشكال العقارب التي حَصرت أشكال النسوة في مركز الصورة، فنرجّح اعتبارها رمزاً للموت، إذ شهدت هذه الحقبة نسبة عالية من وفيات الأطفال. فقد تم اكتشاف 134 قبراً لطفل في تل الصوان، بعمر يتراوح بين 4 ــ 8 أشهر، وهو العمر الذي ينام فيه الطفل أو يجلس أو يحبو على الأرض، الأمر الذي جعله ضعيفاً إزاء حركة العقارب السريعة وفعلها السام القاتل، وفي منطقة تشتهر بكثرة العقارب حتى الوقت الحاضر. فنحن هنا إزاء وضع حركي طقوسي خاص جداً، وجدت به ذهنية الفنان المُبدعة حلاً صورياً رمزياً للأزمة الاجتماعية التي عاشتها الجماعة الزراعية في دور سامراء. تلك هي خاصية التركيبات الرمزية في الفنون الرافدينية، التي تقوم على فكرة الصراع بين قوى الحياة وقوى الموت. فالحاكم او لنقل الملك عليه الفتك بالأسود رمز الموت في مشاهد النحت البارز، وﮔلـﮕامش وصديقه أنكيدو قتلا معظم الأسود في مشاهد الأختام الاسطوانية حماية للحيوانات الاليفة (رمز الحياة)، اما الأسود فإنها تفتك دوماً بمفردات الطبيعة من دون استثناء، وهكذا.
يُشفّر المظهر الحركي العنيف للنسوة، وصرخاتهن المتعالية، عن جعل (الفرادة) ذاتية في خصوصية معاناة الروح، للإيحاء بالخطاب الفكري للصورة، الذي وَجَد فعله في إشباع الرغبة لدى بعض النسوة ممن فقدن أطفالهن او انقطعت لديهن دورات الحَمل والولادة. فالصورة بعدّها وثيقة جنائزية، ستؤدي فعلها السحري في العالم الآخر، بالتقاط القادم قبل حدُوثه حرصاً على إحداثهِ مرة اخرى.
تلك هي منظومة من الأعراف المتحركة في الوعي الاجتماعي، التي نجحَ الفنان بإحالتها الى صورة رمزية، تحركت فيها مفاهيم الاعتقاد بالتأثيرات والأفعال، التي ستأتي فاعليتها في استعطاف القوى والأرواح الماورائية، بإيجاد صيرورة اخرى للواقع، وان تخلع عليه طابعاً يجعله وجوداً سعيداً تشيع فيه الروح.
واجه فنانُنا المُبدع الذي ضايف بين فن الرسم وفن الفخار في متحفهِ الخالد، النزعة المادية، ونَشدَ حالة الإنسان الروحية. فلجأ بفعل القصد الى إخضاع الطبيعة، وجعلها نسخة طبق الأصل لاستجاباته الذاتية. ولما كان يبغي الشمولي أكثر من اهتمامه بالخاص والطارئ، فقد سعى الى المناهضة المقصودة للعوالم المرئية، باستخدام اللون المُشّدد والشكل المُبسّط. وحدسَ فكرياً نظاماً تحليلياً تركيبياً لاختراق الظواهر، بغية كشف عما شعَرَ أنه يؤلف جوهر الأشياء، بانتهاج آليات الاختزال والتبسيط وشتى التأويلات الشكلية. بقصد إقصاء المشابهة عن مفردات مشهده، تجانساً مع الهاجس الانفعالي لذاته، فكان سعيه مُفيداً لأبداع (صورة) ذات دلالة أعمق من وجودها الطبيعي المتحرك في مفاهيم الفكر الاجتماعي. إنها تمثلات الوجود الإنساني الأول على أرض الرافدين، وبما يُرضي إرهاصاته التعبيرية.
رُسمت أشكال النسوة بأسلوب تجريدي، إذ حُررت من اشكالها الطبيعية، لتصبح طليقة من صورها الواقعية. بوصفها تركيزاً للأفكار التي أُلصقت بها، فتعالى خطابها الجسدي من حدود الجزئيات إلى انفتاح فضاء الكليات، وتحولت أشكالها من خصائصها الفردية الى الأعمام. بفعل تلك الإزاحة، تجلت الهيئة البشرية ليس بكونها مَحض شكل طبيعي، إنما بعدّها تمثيل الروحي وتعبيره. فسما الفكر إثر ذلك الحِراك، من المسميات المُحددة الدلالات، الى الرموز المنفتحة القراءة والمتعددة المدلولات والحرة الحركة في الفهم الاجتماعي. وذلك مثابة انتقال من التعامل مع المادي المحسوس إلى صورته الذهنية، ومن استخدام الأشياء إلى تداول رموزها، فأتاح هذا (الفعل) الجمالي للفكر الإنساني إلى التعامل مع مفاهيم دالة على وفِرة من التأويلات والدلالات. وذلك يُعدّ الانتصار العظيم في تاريخ الفكر الحضاري، الذي لم يَبلغه الفن الأوربي إلا بعد مرور اكثر من ستة آلاف سنة.
فكّرَ (مالفتش) ألف مرة، قَبلَ أن يُحيل لَيلَهُ الجَهيم الذي تَبدّى له وَحَدُه، إلى شكل مربع أسود على أرضية بيضاء. وجرّبَ (موندريان) المرة تلو الأخرى، حتى أخرَسَ المعنى في شجرته، وأولّها إلى شكل شجرة فقط. اما (كاندنسكي) فقد استغرق سنين عديدة، ليخلّص اشكاله من روابطها الواقعية ليتعالى بها نحو سُلّم الانغام الموسيقية. أما فنان العراق الأول، فشأنه شأن أحفاده من التجريدين الكبار، فبعد أن اختمرت في داخليتهِ، فكرة إبداع شكل رمزي يُعّبرَ عن سعادة الانسانية جمعاء، بعد ان تصالحت ذاته مع الوجود الإنساني بأكمله، فاستوحى من الوضع المتصالب لأجساد نسوته، وحركة شعورهن المتطاير، ليُبدع شكل الصليب المعقوف Swastika، بعد ان مَسحَ عن سطوحه البصرية كل ما يُوحي بشكل المرأة، ولم يُبقي سوى حركة اصابعها الثلاثة، وزوج من خطوط شعرها المتطاير، وذلك كل ما عَلقَ في ذاكرتهِ من تجاربه الأولى. فتحول شكله الى لحن مَحض فقدَ كلماته الأصلية، ليصير قوة سحرية، تعكس حالاً إنسانياً سعيداً.



   
 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

بحث

 

  بحث

 
   

 

 

عزيزي الزائر, عذرا لان الموقع لازال في مرحلة التطوير, بعض المقالات لا تزال باللغة الانكليزية و سيتم ترجمتها لاحقا,نشكر مقترحاتكم ونتشرف بزيارتكم

 

 


مواقعنا على الفيس بوك

 


 

 

للأتصال   -   حقوق الملكية   -   شروط الاستخدام    

     جهد مشترك بين د. ابو الصوف و السيد سلام طه  

 

ان الموقع وادارته غير مسؤولين قانونيا او اخلاقيا عن اي تعليقات او ردود من مشاركات الزوار الكرام ,وارائهم تعبر وجهة عن نظرهم الشخصية مع احترامنا وتقديرنا لهذه الاراء