المدونة

البرازيل - تجارب مختلفة وفنون تشكيلية

كتب بواسطة: Super User on . Posted in د. أمل بورتر

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

من ساوباولو ... أمل بورتر تحاور التجربة البرازيلية في الحياة وانعكاساتها على مرآة الفن, رحلة سحرية في عالم مدهش بعدسة فنانة عالمية الثقافات.

 


 

آب 2006
ساو باولو

في مقال لفاطمة المحسن المنشور في جريدة المدى والمعنون (عراقيون أولا )استرعت انتباهي الفقرة التالية واجدها خير بداية لما أريد أن أتحدث عنه في ( تجارب وفنون تشكيلية)

تقول فاطمة المحسن" لعل الكارثة الحقيقية لأية ثقافة أن تمر التجارب بالمثقفين وتتبدل الأماكن الثقافية والسياسية، بيد أن خطاب المثقف يبقى كما هو وموقعه من السياسي لا يتغير فهو أما مسخر لخدمة رجل السلطة أو ساخط شعاراتي في مقاربة سخطة ورفضه أو منعزل عن الفعل الاجتماعي روحيا وفكريا يعاني عطلا في اختبار معارفه عند تماسها مع الحياة"

أجد هذه الجملة خير معبر عن الواقع بشكل عام والثقافي بكل أبعاده التشكيلي في العراق أبدا ، هذه المقولة وجدت بعدا وصدأ في نفسي ولا ادري إن كانت المقولة أعلاه تنطبق عما رأيت في بعض من تجارب فنية في بقاع مختلفة من العالم وسآخذ البرازيل كنموذج للمقارنة.

البرازيل مساحة شاسعة من ارض وادعة نسبيا، مدت سكانها على مر العصور بالجو المعتدل أحيانا والحار نسبيا ،بكثير من المياه والأراضي الخضراء الكثيفة المنتجة وبساحل رملي طويل.

في البدء لم يحتاج الفكر البرازيلي إلى اختراع العجلة أو التفكير بآلهة تسعده وتحميه وتعده بالكثير، الأشجار المثمرة قريبة من متناول يده يقطف ما يشاء وتنتجها الطبيعة بدون كلفة وجهد ، الجو الدافئ خيرملجأ للفقير المعدم لا يحتاج إلى ما يدفئ جسده لو بقى شبه عاري فلا لوم عليه، لو جاع واشتهى شواء فالغابات مليئة بأنواع الطرائد والأسماك تعوم حتى في المياه الضحلة المالحة والحلوة، ولا تكلف جهدا في اصطيادها والبحر ملئ دوما.

المطر ينهمر باستمرار ويغسل الجسد والروح ،الشمس مشرقة اغلب أوقات السنة لا تعكرها الغيوم الدائمة،والأشجار توفر الفئ والدف والطعام. الجبال والسهول والسواحل تلتقي لتنقل أصداء تطلعات مختلفة غير بعيدة المنال لو شاء الفرد أن يغير موقعه.

المسافات بعيدة وارض رحبة شاسعة لا داع للتنافس فيها على بقعة ارض من سهل أو سفح جبل أو ساحل بحر.
لم يحتاج الإنسان البرازيلي إلى أن يجهد عقله ليقرر حسابات الربح والخسارة وليفكر بابتداع والحروف لتثبيت سجلاته ومعرفتها فلا سبب للمنافسة والغلبة فالخير عميم فعلام التناحر؟.

ربما لم يهتم الإنسان في هذه البقعة من الأرض ببناء معابد مثلما فعلت شعوب (( الانكا )) (( والازتيك والمايا إذ لم يكتشف أي منها في ارض البرازيل لحد الآن، فاهتماماتهم وديمومتهم مقترنة بالوفرة المتاحة فلم التطلع إلى المجهول والغائب والمافوق الطبيعي، شفائهم وغذائهم وملبسهم يحيط بهم فلم الابتعاد فكرا وروحا وجسدا والبحث عما هو متوفر أصلا؟

تناغم أصوات الطيور المتعددة الكثيرة وتبختر الحيوانات في مشيتها وأجواء الحرية التي تعيشها، صخب الألوان وضجيجها، أصوات هدير أمواج البحر وخرير الأنهر مع رفيف أوراق الأشجار الدائمة الخضرة ورفرفة أجنحة الفراشات الكبيرة والزاهية شجعت الإنسان على الإتيان بأفضل منها فكانت هناك نواة لتنتج مستقبلا (( الكابويرا و السامبا )) وغيرها.

فترة ما قبل التاريخ في البرازيل غابة من المعميات الرسوم الجدارية على سفوح الجبال وبقية المكتشفات تناقض الواحدة الأخرى تاريخيا وتفندها واقعيا، الحقيقة التاريخية الوحيدة التي لا تقبل الشك ،إن البرتغاليون كتبوا أول صفحة من تاريخ البرازيل الحديث ممزوجا بالدم والدموع والذي بدء قبل خمسمائة سنة.

فالبرازيل بالنسبة لتاريخ البشرية الطويل ما زالت طفلة تحبو تحاول أن تجد خطواتها،ولازالت تنعم ببراءة الطفولة وابتسامتها العفوية.

كانت البرازيل حتى يوم 22 نيسان سنة 1500، جنة أرضية حالمة تحوي ما يزيد عن ألف قبيلة ، كل قبيلة لها حيز من الأرض والماء والسماء، عددهم ربما ما بين المليون أو الستة ملايين بشر فقط. لغات متعددة مختصرة لا تعبر إلا عن ضروريات معينة لحاجات محدودة أصلا.

في هذا اليوم مرت ثلاثة عشر سفينة برتغالية تحمل 1200 رجلا، لم يهتم البرتغاليون بتوطيد حكم بل كان سرهم التجارة وخيرات البلد وبيع ما يحصلون عليه في أوربا ولكن هل الأسرار تبقى مكتومة ؟ وصل بعدهم سكان أوربا بجنسياتهم وأهدافهم المتعددة وجلبوا معهم بالإضافة إلى أمراض غير معروفة لأفراد تلك القبائل ثلاثة ملاين ونصف أفريقي كعبيد أرقاء لاستغلالهم، أقاموا المزارع والمدن وشقوا الطرق وقلبوا الجنة الوادعة إلى مزارع وشوارع وبيوت و ساحات قتال وتجارة وربح وخسارة ، فرضوا تغير الفكر والروح والجسد،وقاموا بتأليف فرق لصيد أبناء القبائل وتسخيرهم كعبيد. وحل الموت والدمار والقهر والعبودية بالإضافة إلى المدنية وسبل الحضارة والمعرفة والكتابة والقراءة ومفهوم الربح والخسارة والآلهة والتعبد والعمارة والسفر والإبحار والدواء والآداب والفنون والملابس والتصنيع والنجارة والحدادة.

دخل الكتاب بكل أبعاده من كتاب فروض دينية تملى على السكان بالقوة والقهر إلى كتب أدب وأساطير وثقافات متعددة متنافرة تجمعها حب الكلمة المثمرة.

ومع كل هذا دخلت الفنون التشكيلية بالصفات الأوربية الواضحة وليدة فنون حضارة الإغريق والرومان.

ولكن الإنسان البرازيلي بقى على طيبته وفطرته إلى حد ما، قاوم ثم وافق وقنع أن كان غصبا أو ارتياحا أو على مضض على التغير، وبقيت هذه النبتة تنمو، نبتة القبول بالآخر والاندماج معه، وورث الإنسان البرازيلي الحالي هذا المنحى رغما عنه مع التماهي مع كل جديد من أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية وحتى الدكتاتورية البرازيلية في العصر الحديث يصفها العالم اليوم بأنها من اضعف وافشل الدكتاتوريات في التاريخ ، إذ عندما فشلت محاولة اغتيال صحفي كان يقارع رئيس الجمهورية علنا وبشدة وبانت الفضيحة انتحر رئيس الجمهورية(جوتيلو فاراغاس) بسبب خيبته وكان ذلك يوم الرابع والعشرين من آب عام 1954 بعد أن كتب يقول"اليوم ساترك هذا العالم لأدخل التاريخ

يحكي لنا التاريخ ويقول جاءت امرأة بعشرة أسماء الأول منها ايزابيل وقررت إلغاء العبودية ويأتي بيان منها بتوقيع الأميرة ايزابيل، وبدون تمهيد لتقبل الواقع الجديد ألغت الأميرة الرق سنة1888بعد أن ناضل الأرقاء وقاوموا العبودية بالقتال والعصيان و بأساليب أخرى منها مزج ديانتهم الأفريقية بالكاثوليكية والتعبد بدين يدعى (( كاندومبليه )) ، هذه الديانة التي أجيز التعبد بها علنا عام 1940 ،وابتكروا (( رقصة الكابويرا )) ، كانوا يرقصونها رغم القيود والسلاسل ،كنوع من التحدي والمجابهة. أن تجابه العدو بالرقص والاندماج بنغم آلة موسيقية مصنوعة من وتر واحد وقحف قرعة وحجرة صغيرة لتحرك الوتر أمر يتطلب الصبر الطويل والإيمان العميق بالنفس والقضية. ومارسوا تعبدهم لطوطمهم وأقنعتهم وأرواح أسلافهم ونحتوها على ما توفر لديهم من الخشب البرازيلي الذي تقاتل عليه الأوربيون في القرن السادس عشر. منحوتات تتحدث بعمق وصدق عن تتبع روحي لإيمان متغلغل، الأقنعة والنصب بأبعادها الخيالية والتي تفوح منها روائح افريقية تقود المتلقي بعيدا لتعبر به البحار وتعود به إلى أفريقيا حيث العيون المسبلة وخصلات الشعر المجعد المتهدلة والنهود الريانة المنتصبة والشفاه الغليظة الممتلئة والجسم المملوء انحناءات، كلها موسومة بوسم أفريقيا.

وتأتي امرأة أخرى في عشرينات القرن الماضي تدعى (( تارسيلا دو اومرال )) لتقلب الطاولة على الفنون التشكيلية وتدخل الحداثة بابهى صورها وترسم لوحات تصل في مستواها إلى القمة ،ويطلق عليها المجتمع البرازيل السيدة الأولى للفنون الحديثة ، وتسير في دربها بثقة واطمئنان وتنتج أعمالا تضاهي ما أنتج في أوربا في تلك الفترة.

الوعي للفرد الأسود من دين وثقافة لا ينكر فضل الثقافات الواردة أو يقلل من أهمية تأثيراتها، بل انه يشير إليها بكثير من الامتنان والتقدير، فامتزاج الخبرة الأوربية بالخيال الأفريقي أو القبلي ولد خبرات ونتاجات مرهفة حية وحساسة ومتميزة شملت الموسيقى والفنون التشكيلية والاهم من كل هذا منحت الحياة محتوا ومضمونا، وصبغتها بصبغة خاصة يطلق عليها كلمة البرازيل و يعتز ويفخر بها كل من يسمي نفسه برازيليا.

اختلطت على أبناء القبائل كثرة الموجات القادمة من أوربا وأفريقيا واليابان وسوريا ولبنان ،إلا إنها امتزجت بصلب شخصياتهم وأنتجت إنسانا آخر بريئا جديدا يبتسم للجميع ويقبل بهم مثلما يقبل لأطفال ويتلهى بكل ما يقدم لهم من أشياء جديدة ،يجدونها مسيلة وتبعث غلى الاهتمام مهما كانت تافهة وبسيطة ،وأحيانا أخرى تدعو إلى التمرد بعنف مصحوب بنتاج فني موسيقى إيقاعي وتشكيلي ليرضي تطلعه الذاتي ويخرج لسانه للذي استضعفه قائلا له أنا أحيا وباق.

تمارس الكاثوليكية كمذهب ودين وتمتزج بالتراث المحلى وتختلط الحدود وتضيع في المسحات المضببه مع (( الفودو)) واليهودية (( والشنتو)) والبوذية والإسلام، تتعايش كل المعتقدات والأديان فيما بينها، بجانب الراهبات الكاثوليكيات نرى المسلمات المحتجبات واليهوديات المحتشمات واللواتي يلتزمن بالتقاليد اليهودية الأرثوذكسية نراهن برفقة أزواجهن الذين يعتمرون قبعاتهم السوداء وزلوفهم الطويلة المبرومة المتدلية ويحاذيهم البوذيون من اليابان مزوقة ملابسهم بشعارات ((الين واليان )) وساحرات الفودو يمارسن السحر الأسود وغيره وهن يتناولن أدوات طقوسهن من لعب ومنحوتات طقسية مزوقة بالريش والأحجار البراقة و شخوص بملابس مشتقة ومحورة عن ملابس رجال الدين الكاثوليك الذين استوحوا ملابسهم من التراث الإغريقي الروماني، دائما هناك فسحة لقبول الآخر فلا معتقد يفترض انه الأفضل وانه ناسه هم خير امة وقد اختاره الله دون سواه وفضله على الآخرين.

في المتحف الإفريقي البرازيلي رأيت لم ذهل بيكاسو بأفريقيا، إلا انه بقى مذهولا ولم يقدم لنا ما نجده من صدق ومودة وحميمة في هذا المتحف ، إذ أن ما سوقه بيكاسو كان لإرضاء الإنسان الأوربي بكل نزعاته وتجاربه المعقدة التي اختمرت في ذهنه على مر العصور، ملغيا فيها كل العفوية والإخلاص النابع روحيا من إيقاعات زمنية نضجت وفقا لمتطلبات موغلة في القدم إلا أنها ما زالت تتفاعل يوميا مع الحياة وتنفذإليها عبر احتياجات يومية.

في حين في هذا المتحف نجد الصورة الحقيقة للفن الأفريقي والذي اخذ تدريجيا يؤثر ويتأثر بالبيئة الجديدة التي تنوعت فيها التأثيرات وجانبت الواحدة الأخرى وعززتها.

إن رئيس القبيلة الذي سيكون يوما ما الروح الهائمةفي الفضاء تراقب أبناء العشيرة، بملابسه الغريبة التي تعود بالفكر إلى عوالم الأسلاف والأرواح، نجده في الاحتفالات الطقسية يجلس على كرسي قد أدخلت عليه بمرور الوقت التحويرات التي يمكن أن ترضي المتلقي الآخر من دين مختلف ،فأصبحت القوائم والمسند تحتضن زخارف محورة عن الطرز الأوربية، فهذا التحوير البسيط يتيح للمتعبد بدين مختلف الشعور بالأمان والألفة لأنها قريبة من التراث الذي تعود عليه، في حين نجد أن تصوير فكرة صعود مريم العذراء إلى السماء قد تحور واشتبكت التوظيفات في هذا الموضوع التشكيلي فلقد استعارت الديانات القبيلية المحلية هذه الفكرة والتي لا تبعد أصلا عن المفهوم السائد عندهم إلا أن الشخصية(الساحرة أو المسحورة) التي تطير صاعدة إلى الفضاءات العليا ترتدي وشاحا ازرقا مثلما كانت تصور مريم العذراء في موروثات عصر النهضة وما بعدها، في حين إن مريم العذراء التي تعود إلى الفكر الكاثوليكي قد أصبحت زنجية وبشعر مجعد ترتدي ثوبا احمرا صارخا مزوق بالريش والفصوص اللماعة تحت وشاحها الأزرق. هذا التماهي وهذه الاستعارات قربت القلوب من بعضها بدون وعي وأصبح الآخر المختلف عن طريق الفن مألوفا ومقبولا للإنسان العادي البسيط.

إن الغني الثقافي - الفني الذي جلبه البعد الأفريقي والأوربي خلال القرن السادس عشر والى نهاية القرن التاسع عشر ممتزجا مع موجات الهجرة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من ايطاليا وألمانيا و اليابان وسوريا ولبنان واضح ومترسخ وكأن الإنسان البرازيلي قد تقولب عليه وانصهر به وامتزج معه في ارهاصات متعددة أنتجت فنونا متميزة بطابع خاص.

إن اغلب النتاجات ومنذ بداية القرن العشرين اتسمت بالحداثة والبعد عن التقاليد الأوربية المورثة،وسارت مع الحداثة العالمية مع الاحتفاظ بكل القواعد الفنية المتفق عليها، إلا أن التجديد والتأثيرات المذكورة أعلاه تبرز واضحة جلية، إلا أنها غير مقحمة على النص التشكيلي، فالمجال مفتوح رحب لأفكار التجدد فالتأثيرات أبوابها مشرعة ونوافذها عديدة منها الأبعاد الأوربية لمدارس عديدة والخصب الأفريقي والتنوع القبلي بالإضافة إلى التأثيرات الدينية المختلفة.هذا ولا يجب أن ننسى البيئة المتنوعة, التي جعلت من استخدامات الألوان مجالا رحبا للتنافس معها. كما وان عدم سيطرة فكر منهجي أو تراثي أو أيدلوجي واحد منح الفنان مفردات جديدة يستند عليها، ومقومات تزيد من إنتاجه قوة، فالتعددية بكل أبعادها كان استثمارا غنيا للأفكار الفنية. إذ لم تكن هناك دواع لاستخدامات رموز محددة تراثية أو دينية في الأعمال الفنية، بل إن الفنان التشكيلي البرازيلي تخطي هذه الحواجز" التي تتكرر في الكثير من أعمال الفنان العراقي" ليصل هدفه بدون اقحامات لمفردات بدونها يشعر بفقدان الهوية والانتماء.



ربما غنى الموروث العراقي (( الآثاري )) وأبعاده الدينية الواحدة والسيطرة السياسية ذات بعد معين فرضت نفسها بقسوة على نتاجات الفنان العراقي في حين أن الفنان البرازيلي تنوعت واختلفت مصادره ولم تكن هناك سيطرة واضحة لتراث واحد ودين وفكر سياسي واحد ليقحم على نتاجات الفنان البرازيلي. كما وان الفنان البرازيل،هنا أعود إلى فاطمة المحسن في معرض إشارتها لواقع الثقافي العراقي ، لم يقيد نفسه بالسلطة أبدا أو يبشر لها أو يسخط عليها، فلقد عرف اللعبة بان السلطة متغيرة دائما وان الأديان متعددة، لذا ارتبط بمدلولات أرحب وأوسع وأصبح لا يعاني عطلا في تماسه مع الحياة إذ بقى يمارس السياسة بذهن مفتوح ويؤمن لو شاء الإيمان بدون ترهيب أو ترغيب متمسكا بقوة بحريته الفردية وتماسه مع الحياة.

الإنسان البرازيلي يتباهى بأنه يعود لأرض البرازيل، فلا قومية واحدة مسيطرة متمركزة ولا دين واحد يفرض على الكل، إن كان ترغيبا أو ترهيبا وكذا بالنسبة للفكر السياسي، إذ تتنوع التوجهات السياسية. الفنان بقى مرتبطا بالواقع وعرف أن تغير الأزمنة والأمكنة يجب أن يغنيه لا أن ينساق له، فارتبط بالحياة بكل أبعادها وتذوقها بعمق ونشوة بعيدا عن استلهامات محددة، لم يقحم تراث أو مفردات بقيت جامدة، بل الفن عنده اكتسب صفة الحركة والتجدد المستمر، أغنى تجربته بالإطلاع على نتاجات العالم ككل ، فاكتسبت نتاجاته نكهة خاصة نابعة من عمق تجربة متفردة لا تجد التشابه والتكرار الرمزي لمفردات تراثية في أعمال الفنانين بل هناك رحابة وأفكار حميمية نمت بشكل عضوي مع تقدم أعمال الفنان واتساع خبرته.

التنوع الثقافي اغني تجربة الفنان فكانت هناك استخدامات جريئة لتوضيفات دينية مختلفة، مثلا عمل الفنان (جريجوري فنك) نجد الحوريات أو الملائكة في حالة طيران ،هنا يبدو البعد الديني إن كان أفريقي قبلي أو كاثوليكي، إلا إ ن الفنان لم يصبغ عمله بأي صبغة من هذه الاتجاهات بل أطلق لخياله العنان وقدم عملا ناضج فنيا ومكتمل من حيث ((الاستطيقا ))، فنجد الألوان التي نبعت من البيئة والوجوه تمتزج فيها صفات أجناس مجتمعه لا هي افريقية أو أوربية أو تعود إلى القبائل بل مزيج من كل هذا، الحركة بالنسبة للشخصية الجالسة هي شرقية بحته تعود بنا إلى اليابان( صورة تأمل) وعنوان اللوحة يجمع منحا دينيا تمارسه المعتقدات كافة.

رغم القهر والتسلط الذي مورس عادة بعد الاحتلال الأوربي لهذه الأرض إلا إن الإنسان البرازيلي بقى إلى هذا اليوم سهل العريكة لين الطبع يحب الراحة والمتعة والاسترخاء وما تصحبها من مقومات فنية من موسيقى ورسم ونحت وتمثيل، تسير في شوارع ساو باولو وتجد أكشاك بيع الصحف والمجلات بصورها المتعددة سياسية كانت أم ترفيهية ونجد في الصفوف الأولى عناوين لكتب مثل(( يوتوبيا توماس مور ))المحاكمة كافكا النبي لجبران خليل جبران ماركس وستالين وطاغور ولاو تسو وهوشه منه وهتلر وتشرتشل شكسبير وغونتر غراس وماركيز ونجيب محفوظ ومارك توين وسارتر ودوت كيخوته وألف ليلة وليلة ، كل هذه الأسماء والعناوين تجدها تتكرر في كل أكشاك بيع الصحف وأسعارها زهيدة وتبتعد عدة خطوات لتجدصف طويل من الناس بانتظار الحصول على بطاقة مجانية واحدة للدخول إلىمسرحية صورة دوريان جراي لاوسكار وايلد، ومقابل هذا الصف صف آخرللحصول على بطاقات مجانية لدخول (( متحف الماسبي )) وهو المتحف الوطنىللفنون.

ادخل المتحف لأجده قد دعا أعمال( ديجا ) الفنان الانطباعي الفرنسي ، اغلب أعمال ديجا معروضة هنا، المتحف علامة معمارية من فترة الستينات والسبعينات حيث التجديد والحرية في استخدام الفكر المعماري بكل أبعاده مع التركيز على البساطة والحيوية والسهولة في الحركة والتطلع إلى الأعمال الفنية، ولم يكفني يوم واحد للالتقاء بأعمال (ديجا) فكان لابد من يوم آخر وادخل مجانا أيضا واجد صخب من الناس عائلات وأطفال وكبار السن فهذه الاحتفالية لا تفوت المتتبع البرازيلي.

اجلس في مقهى للانترنت واجد أمير ناصر1 يعتب عي بلهجة أهل الناصرية التي تروي العطش بكفوف اليد يقول لي

شخبارج هل الأيام ماكو شنهي السالفة بعدين ليش متكاتبين ( كل الحبر لو كل الأنترنيت الشبكة هنا موزينه والرابط ينفتح ابطلاع

الروح / أكتبي

لنا عن وضعك الصحي فدوة لعينج

. شنهو منستاهل توصلنه منج رسائل . أحاول يوميا

أتصل بالنقال وما أحصل الا في ساعة متأخرة وأكول خاف نايمة لو مشغولة

تحياتي

من مدن التراب الى مدن الضباب

أرد على أمير ناصر" أنا في البرازيل أعيش تجربة غنية وقد صادقت الببغاوات الثرثارات اللواتي يشاركن البشر أحاديثهن بلغة لا افهما ولعبت مع الفراشات، المتحف الأفريقي البرازيلي أذهلني أين بيكاسو ومودلياني وبراك؟ رأيت عيسى ابن مريم الحقيقي بوجهه الأسمر الغامق وانفه الاقني يعمد الناس وهو يتبع يحيى المندائي، ومريم أمه بشعرها المجعد و سحنتها الداكنة تعرفت عليها بسرعة وسهولة، إذ إنها ترتدي زى كاهنات الامزون، تجربة تذهل ،المعارض لا حصر لها المسارح نصفها مجانا لمن لا يستطيع الدفع، الرقص والموسيقى والأكل اللبناني والياباني والأوربي والفنون التشكيلية في الشوارع ، عوائل بأطفالها العشرة تنام وتأكل وتحب وتكره وتتشاجر وتفرح في غرفة لا تتجاوز المترين هل أبوح لك بسر؟ استنجدت بكل آلهة الامزون والساحرات اللواتي يسحرن للأحبة والأعداء لكي يزيل الغمائم من العراق وعدتني إحداهن ببشرتها الصلبة القاسية وشعرها المجعد بأنها استطاعت أن تجلب الأحبة من بقاع الأرض المختلفة وترسلهم لأحبتهم قلت لها أريد إفراغ هذا البلد من الغمة استحضرت أدوات سحرها الأسود في معبد(( الكتندومبولي)) ( يعني الرقص للآلهة) وقالت لن يطول انتظارك إذ أن الغمائم ستمطر في بلد آخر مطرا اسودا دفعت لها أجورها لتشتري أعشاب من مدينة باهيا وديكا اسودا من (( الريو دي جانيرو)) ودجاجة حمراء من ساو باولو تتحدث بلسان الببغاوات وتلعب كرة القدم بمهارة برازيلية فائقة ،وأكدت بأنها ستشارك ساحرات معبد ((اومباي )) للسحر الأبيض لضمان المفعول انتظر يا أمير فالفرج قريب لقد ذهبت العقلانية وطارت وتلاشت سريعا في الهواء.

وأقول لنعيم عبد مهلهل مكدونالد الأمريكي ينزوي خجلا في أركان الشوارع في حين أن حبيب اللبناني أو الشامي يتباهى بواجتهة الكبيرة و مقاعد المطعم المليئة وقائمة طعامه التي تعدد ؛ التبولة والمتبل والفلافل ومحشي ورق العنب والصفيحة البعلبكية والكبه والصف الطويل الذي ينتظر بصبر دوره، وهنا أمجد العولمة ؟ وهل العولمة مبتدع الإنسان العصري؟، لم ذهبت القوافل من بلاد النهرين خلال فترة الأكديين والآشوريين إلى جبال سلطنة عمان ودولة مجان واستخرجت المعادن من جبالها الوعرة الصعبة، والأثاث الآشوري المصبوغ بصبغة مصرية فرعونية واضحة يا أترى أين أنتج (( ليملئ)) بيوت الآشوريين؟، هل من المعقول أن تكون كل تلك الأحمال المصنوعة بدقة ورقة ورهافة من العاج قد حملت على جمال لتسير اشهر طويلة أم أن احدهم قد فكر بإنتاجها في ارض بلاد النهرين الواسعة وجلب معه المادة الأولية والعمالة من أفريقيا ومن مصر الفرعونية دعونا نفكر ونبحث.

جدتي ((البصراوية )) فريدة كانت تصف الإنسان القاسي بكلمة ( برتكيشي) بزيارتي للبرازيل عرفت معنى القسوة والقهر والذل الذي عاناه الإنسان البرازيلي على يد البرتكيش.

إلا أن الإنسان البرازيلي لم يجد مكانا في قلبه للرد على القسوة بمثلها بل بالتسامح والنظر إلى المستقبل والتفتح على كل العوالم.


Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker