متابعات

جذور الأدب الفلسفي في وادي الرافدين

 

متابعات العراق في التاريخ

# Salam Taha

ضياء العزاوي كلكامش 1

بقلم  د. عامر عبد زيد

الحديث عن العلاقة بين الأدب والفكر الأسطوري عامة حديث يجد مصداقاَ لها في ملحمة جلجامش ، فهي تعبير عميق عن الأدب وعلاقته بواقعه الحضاري والثقافي، وهي من  الملاحم الكبرى، ولعلها من أهم الملاحم و أقدم ملحمة إنسانيّة مدوّنة.

يمكن أن نجمل أبرز مميزات الملاحم الكبرى فيما يأتي:

  • "التكرار والإعادة" ويعود هذا المبدأ إلى الأصل السمفوني للملاحم، ولكن لا يمكن النظر إليها على أنها خاصيّة شفاهيّة فقط أو لتأكيد الأسباب الممهدة للسرد الروائي أو لاندفاع البطل نحو غاية محدّدة ، بل ينبغي النظر إليها على أنها تتصل اتصالاً وثيقا ببنية الخلق .
  • "استباق الأحداث" وهو التنويه في مقدمة الملحمة عما سيتحقق في الملحمة. الشحنة الأسطوريّة فهي تنطلق دائماً من موضوعات الآلهة من دون أن تفرق في التبيان، بل لكي يزداد تألقها الروحي.
  •  "حذف الزمان" فهي تخلق أبطالاً من أنصاف الآلهة مثل جلجامش وتجعل منه رمزاً إنسانيّاً وهذا يتحقق من خلال آليّات السرد القائم على "حذف الزمان"، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغير عبر مسيرته من الشفاهيّة إلى التدوين. إنزال الأساطير وإضفائها على الحدث، عبر أسطرتها من خلال ((إخضاع الحدث إلى الطقس، يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول، المعنى الأصلي)). 

وهذه الآليّة نجدها واضحة في ملحمة جلجامش؛ فهي ملحمة سومريّة مكتوبة بخط مسماري على اثني عشر لوحاً طينياً اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصيّة للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالألواح الطينيّة التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. الألواح مكتوبة باللغة الأكديّة وتحمل في نهايتها توقيعاً لشخص اسمه "شين ئيقيئونيني"  التي تعد من أقدم القصص التي كتبها الإنسان.

أن النسخة الأكاديّة من الملحمة التي تم العثور عليها مستندة على نسخة سومريّة يعتقد أن تاريخها يعود إلى 2100 سنة قبل الميلاد.

بعد سنوات من اكتشاف الألواح الأحد عشر تم العثور على لوح آخر يعدها بعضهم تكملة للملحمة وبعض آخر يعده عملاً مستقلاً وقصةً أخرى؛ لأنه كتب بأسلوب آخر وفيه لا يزال أنكيدو على قيد الحياة.

تم ترجمة الملحمة لأول مرة إلى الإنكليزيّة في سنوات تلت عام 1870م من قبل جورج سميث الذي كان عالم آثار متخصص في المرحلة الأشوريّة في التاريخ القديم والذي توفي عام 1876م.

الأدب الفلسفي

 قد كتب عن هذه الملحمة دراسات لا تعد ولا تحصى، وأُشبعت نقداً وتمحيصاً ومعالجة، ومع ذلك مازلنا نتابع بين الحين والآخر دراسات جديدة عنها، ونقرأ روايات وقصص ومعالجات إبداعيّة مستمدّة من وحيها، وأعتقد أن السّر في هذا الاهتمام والإعجاب يعود إلى أن هذه الملحمة مازالت ملتفَّة بغطاء الخيال، ومعتمرة طاقيّة الأسطورة، وتشخّص واقع الإنسان ومشكلاته الأبديّة، التي يتمحور حولها السؤال الأزلي: ما الغايّة من الحياة؟! ولماذا نموت بعد أن جئنا إلى ساحة الحياة ومشينا في دروبها؟! وهذه الأسئلة لا إجابة قاطعة عنها.. الأدب الحقيقي هو الذي يعالج ما يعجز عنه العلم، ويواجه أزمات الإنسان النفسيّة، ويداوي آلامه، ويضيء آماله.. من هنا يمكننا أن نعرف سر هذا الاهتمام العالمي بملحمة جلجامش التي تحلّق بنا في فضاءات بعيدة عن الواقع المأساوي، إلى عالم مثالي زاخر بالخير والحق والجمال...وقد انعكس هذا العالم من خلال التصوير البارع الذي يستثمر ممكنات اللغة وقدراتها المجازيّة (فالمجاز هو جمع بين عدّة وحدات معقدة في صورة واحدة قويّة، انه تعبير عن فكرة معقدة.. بالإدراك المفاجئ للعلاقة الموضوعيّة التي يتم على وفقها تحويل الصور الموضوعيّة إلى صور جديدة لذا فانه اختراعنا)

يبقى هناك اختلاف بين  الحياة والخيال، فالحياة واقع يعاش، أمّا القصص فتروى، لكن في ظل حبكات تلقيناها من ثقافتنا، فالملحمة تبقى قصة تروى لتقدم فهماً وافياً عن الحياة التي عاشها السومري أو البابلي.

ومن هنا فان الملحمة تبقى تعبيراً سردياً يجسد الصراع بين الخير والشر أو كما يعبر عنها بمحور الرغبة التي يمثله البطل وصديقه ومن يقف مناصراً له وبالمقابل محور الشر المعارض لرغبات البطل وبالآتي كان جلجامش البطل والى جانبه النصر والى الجانب الأخر كان المعارضون له. وهكذا تأخذ الحبكة بالتكون عندما يدرك جلجامش محنة الموت ويسعى من أجل الحصول على الخلود. لأن المحور الفكري يتمركز حول المصير الإنساني عامة وجلجامش خاصة وسعي البطل إلى الفوز بالخلود في الأزمنة التي شهدت البدايات الاسطوريّة. التي تقدم إعادة تأويل الهويّة الإنسانيّة من خلال السرد الملحمي بطابعه الأدبي. الذي يعد من أهم مقوماته (الخيال و الزمان والمكان) الأسطوري.

هنا يقول بول ريكور يصف الخيال ودوره في الحبكة وصناعتها بأنه (شكل من الابتكار محكوم بالقوانين)؛ لأن السرد ليس مجرد متواليّة من القصص والأحداث، بل هو وحدة تصويريّة. ويؤكد ريكور على (أن الأهداف والأسباب و الحظ تتجمع معا بواسطة الحبكة في إطار وحدة زمانيّة للكل، وتتمم الفعل)

فهذه العناصر عناصر مؤثرة في تكوين أحداث الملحمة عبر مزج الحقيقي بالأسطوري، والواقع بالخيال، وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة، وخيالها متسربل بالرمزيّة.. هي واقعيّة من حيث تناول الإنسان حياة وموتاً، وهي رمزيّة؛ لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة، وأسطورتها ذات مرامٍ بعيدة، فهذا الجانب المتعلق بواقعيتها يجعلها مرتبطة بحدث تاريخي واقعي مهما حاول التعالي عليه تبقى الأسطورة فالحقيقة على صلة تجمع ماهو أسطوري بما هو تاريخي عبر (صلة قويّة تحتم ضرورة الاستفادة من المادة الأسطوريّة كمصدر للمادة التاريخيّة فالأسطورة تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوباً للكتابة التاريخيّة يعينه على تسجيل أحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانيّة المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي)، وعلى الرغم من أن  بارت يرى أن الأسطورة (ظاهرة لازمت المجتمعات قديمها وحديثها بحيث لا يخلو تراث أي أمّة من الأمم منها، بكل طابعه الشفاهي الذي تكون من الموروث وهو ما نجده كامن في معنى كلمة اسطور( Myth ) وهي مشتقة من الكلمة اليونانيّة (Mythos ) التي تعني كلمة أو كلام ولم تستعمل هذه الكلمة بمعنى القصة إلا متأخراً؛ فهذا التراث الشفاهي الذي تعكسه الأسطورة (التي هي عمليّة تأمل من أجل الإجابة عن أسئلة مبعثها الاهتمام الروحي بموضوع ما). من هنا كانت الأسطورة سداً لحاجة وتأملاً من حيث الطبيعة وكانت الأسطورة بالنسبة للإنسان المبكر مركز تأملاته، حكمته  و أرادته في التفسير والتعليل 

وهكذا جاء الأدب بوصفه مرآةً عاكسة لمتطلبات الحياة وحاجاتها لهذا جاءت الأسطورة بوصفها كلمةً أو هي مجموعةً من الكلمات التي تظهر على شكل رسالةوهو هذا المضمون الفكري الذي تكتنزه تلك المرويّات الشفاهيّة التي تكونت منها الملحمة.

فاذا ما بحثنا عن البدايات التي تكوّنت الملحمة منها، نجد أنها  تبدأ بالحديث عن جلجامش ملك أوروك - الوركاء الذي كانت والدته إلهاً خالداً ووالده بشراً فانياً ولهذا قيل بأن ثلثيه إله والثلث الباقي بشر. وبسبب الجزء الفاني منه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالداً. تجعل من الملحمة جلجامش ملكاً غير محبوب من قبل سكان أوروك؛ إذ تنسب له ممارسات سيئة منها ممارسة تسخير الناس في بناء سور ضخم حول أوروك العظيمة. فهذه الرؤية الدينيّة التي تعكسها الملحمة تؤكد على مبادئ :

الأول، مبدأ الخارجيّة، أي القول بان المجتمع يستمد قوانينه من الخارج لا من ذاته. وهو ما نجده في الاعتقاد البابلي أن الآلهة هي من عينة جلجامش حاكماً.

والثاني، هو مبدأ (المغايرة) أي القول بان البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشر مثلهم حتى يبرر خضوعهم إلى تلك القوانين التي جاءت بها الآلهة. وهو المعتقد القائل أن خلق الإنسان وتقرير مصيره، يأتي من السماء وليس من الأرض.

وهناك مبدأ ثالث هو مبدأ (الاتِّصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره بين الجماعة والمبدأ المؤسس والمشروع لها . .

إذ تبدأ العمليّة بابتهال سكان أوروك للآلهة بأن تجد لهم مخرجاً من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل وحي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البريّة يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات؛ أي أنه كان على النقيض تماما من شخصيّة جلجامش. إن هناك رموزاً تشير إلى الصراع بين المدينة و القرية فحياة المدن التي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجياً بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصيّة أنكيدو.

لا يعرف الناس ولا البلدان، عليه ثياب كسوموكان

يرد الماء مع الحيوان

رآه الصياد فامتقع وجههُ هلعاً

كان خائفاً مشلولاً ساكن الحركة

في قلبه اضطراب وعلى محياه اكتئاب

وقد سكن الروع افقه

فوجهه كمن مضى في سفر طويل

كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش؛ فأمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها؛ وبهذا تبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروِّضاً ومدنياً. حالف النجاح خطة الملك جلجامش، وبدأت خادمة المعبد -وكان اسمها شمخات، وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار - بتعليم أنكيدو الحياة المدنيّة؛ ككيفيّة الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن. ولما عرف أنكيدو بهذا قرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة ليجبره على ترك تلك العادة. يتصارع الاثنان بشراسة؛ فهما متقاربان في القوة، ولكن الغلبة في النهايّة كانت لجلجامش، إذ اعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح الإثنان صديقين حميمين.

الرحلة الاولى

هدفها البحث عن المجد والشهرة، أي مقاربة في السياسة والتاريخ  يتم خلالها التطرق الى أسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيلة التي تمثل الثروة والسلطة وحاجات أوروك الى القوة والمجد والثروة إذ الغابات والثروة الطبيعيّة (غابة من أشجار الأرز) التي من الممكن تزويد اوروك بحاجاتها؛ لأن العام القديم عالم تحيط به عوالم السحر والأسطورة نجد أن الغابة يحرسها وحش هو خومبابا، فيقتله وينال الشهرة. يبدو أن هذه الرحلة التي تتعلق بمصالح المدينة نالت موافقة من قبل أهل اوروك ممثلين هنا "مجلس الشيوخ" في اوروك يجتمع للنظر في سفر جلجامش وانكيدو إلى غابة الأرز.

في الساحة العامة اجتمع الشيوخ

أنت شاب، والشباب كثير الحماسة

أنت طموح وطموحك ذهب بك بعيداً

سمعنا بأنّخمبابا لا كسائر الخلائق

أسلحته ثقيلة لا تقهر

لخمبابا زئير كهدير الطوفان

النار تنبعث من فمه، يتنفس موتا

لا أحد يجرؤ على الوقوف في وجهه

وهذه الرحلة تسردها الملحمة إذ تبين أن جلجامش يحاول دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالداً؛ فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة، وهو مخلوق ضخم وقبيح اسمه خومبابا.

ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كانت المكان الذي تعيش فيه الآلهة ويعتقد أن المكان المقصود هو غابات أرز لبنان. ،يبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس الذي كان أيضا إله الحكمة عند البابليين والسومريين وهو الإله نفسه الذي نشاهده في مسلة حمورابي المشهورة وهو يناول الشرائع إلى الملك حمورابي وفي أثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه يبدو متخوفاً من فكرة قتل حارس الغابة يطمأن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة.

عند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها فيقترب منهما حارس الغابة خومبابا ويبدأ قتال عنيف ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو إذ يقع خومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه ولكن توسله لم يكن مجدٍ إذ أجهز الاثنان على خومبابا وأردياه قتيلا. أثار قتل حارس الغابة غضب إلهة الماء أنليل إذ كانت أنليل هي الإلهة التي أناطت مسؤوليّة حراسة الغابة لخومبابا.

بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعد وحشاً مخيفاً يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الإلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضباً شديداً فتطلب من والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو يتمكن من الإمساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله.

بعد الحديث عن المقدسين، تنقلنا الملحمة صعوداً نحو الأعلى، إلى حديث آخر أكثر جرأة وحساسيّة، عن الكائنات التي يجب الحديث عنها ـ بشكل دائم ـ بكل إجلال واحترام، لقد كان وما زال تناول المسائل الدينيّة يحمل الحفيظة والحساسيّة للجميع، والتطرق إليها بالنقد والتجريح يولد النفور وربما العداء، إلا أن جلجامش لا يعرف حدوداً للمحرمات، وكل من يخطئ يجب محاسبته، ومواجهته بكل جرأة، وأن لا نترك هذا الخاطئ يمر مرور الكرام، واقفين ساكنين أمام أخطائه وزلاته، حتى لو كانوا من الآلهة، وها هو جلجامش يقابل الربة عشتار بالتجريح والشتائم والضرب، لأنها حاولت الإيقاع بالإنسان لأهوائها ورغباتها:

تعال يا جلجامش وكن عريس

هبني ثمارك هديّة

كن زوجاً لي وأنا زوجاً لك

سآمر لك بعربة من ألازورد، وذهب

عجلاتها من ذهب وقرونها من كهرمان

تشد إليها عفاريت العاصفة بغلا عظيمة

وملفوفاً بشذى الأرز بيتاً

قبلت المنصّة ُقدميك والعتبة

وانحنى لك الملوك والحكام والأمراء

يضعون غلة السهل والجبل أمامك، تقدمةً

ستحمل عنزاتك توائم ثلاثة، ونعاجك مثنى

سيبز حمارك أثقال البغال

وخيولك تطبق الآفاق شهرة جريها

أما ثيرانك فلن يكون لها تحت النير نظير

بعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعاً للنظر في كيفيّة معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقاً مقدساً؛  فيقرر الآلهة على قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة فيبدأ المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد مدّة.

رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود

بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم إذ لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق هارباً في البريّة خارج أوروك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. حول هذه الفكرة يقول الدكتور علي القاسمي: (( جَزَعُ جلجامش بعد موت صديقه الحميم أنكيدو، هو شعور ينتاب كل إنسان لدى فقدان عزيز عليه.. أما إطاحة جلجامش للأسوار الحصينة، ونزاله مع الثور السماوي الهائج، وصراعه مع الجنّي "خمبابا" الذي اعترض طريقه في غابة الأرز، إنمّا ترمز إلى هدم الإنسان للحواجز التي تعيق تواصله مع أخيه الإنسان، وإلى الصراع بين الخير والشر.))

فضلا عن حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفاً من حقيقة مغزاها أنه لابد من أن يموت يوماً؛ لأنه بشر والبشر فانٍ ولا خلود إلا للآلهة.

بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبديّة. لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم - والذي يعتده مشابهاً جداً إن لم يكن مطابقاً لشخصيّة نوح في الأديان اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام - وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الإلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش التي تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن المأكولات ويلبس أحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيداً بما يملك؛ لكن جلجامش كان مصراً على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الطَوَّافٌ أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود.

الرحلة الثانيّة

هدفها البحث عن الخلود أي مقاربة في اللاهوت يتم خلالها التطرق الى أسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيّلة في دلمو حيث أرض الخلود أو العالم السفلي زار انكيدو الثاني عبر الحلم ويزور جلجامش عبر الرحلة دلمو ويلتقي بالخالد صاحب الأسرار اوتنابشتم شبيه بشخصيّة الخضر في التراث الإسلامي أو نوح في المرويّة التوراتيّة.

بداية الدرب الذي سار فيه جلجامش وعر وصعب، ويتطلب جهداً مضاعفاً لاجتيازه، ومع هذا استطاع أن يقطع جزءاً لا بأس به من هذا الدرب، فعلى الرغم من وجود الجبال الشاهقة وما يتبعها من وديان سحيقة، استطاع تجاوزها والاستمرار في دربه، لكن لم تقتصر الصعوبات على طبيعة الطريق وحسب بل كانت هناك عوائق أخرى تتمثل بوجود الأسود المنتشرة في الطريق، فيشعر بالخوف ـ وهنا إشارة إلى إنسانيّة جلجامش، وأيضاً على الوحدة التي يعيشها ـ ، إلا انه يتخلص من خوفه ويقضي عليه ويستمر في مسيره إلى أن يصل إلى جبل ماشو، وهذه الجبال عظيمة ليست كباقي الجبال، فهي التي تحجب الشمس في غروبها وشروقها عن العالم، ـ وهنا يعطينا النص الملحمي فكرة الشروق والغروب التي كانت سائدة في العصور الرافديّة القديمة ـ

عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جداً بقصة طوفان نوح، وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالداً، إذا تمكّن جلجامش من البقاء متيقظاً من دون أن يغلبه النوم لمدة ستة أيام وسبع ليالٍ فإنه سيصل إلى الحياة الأبديّة ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إيجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود. تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود، يغوص جلجامش في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون (البحرين حالياً) ويتمكن من اقتلاع العشب السحري.

قال جلجامش له أوتنبشتم

ها أنذا جئت له لاوتنبشتم

الذي يلقبونه بالبعيد

طفتُ جميع البراري والقفار

اجتزتُ الجبال الشاهقة

عبرتُ جميع البحار

لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء

قتلتُ الدبَ والضبعَ والأسدَ والنمرَ

والأيل والوعل وجميع حيوان البر

أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا 

وقد كان كلام جلجامش يظهر موقف لاهوتي يبين موقف الانسان من قرار الآلهة بموت الإنسان وخلودها، إذ يبين موقف رافض إنساني عبّر عنه جلجامش بكلمات (جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعيّة لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكرّرة "شكلك عادي وأراك مثلي" لتوحي لنا بأن اوتنابشتم أصيب بالدهشة من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد.

عودة جلجامش إلى أوروك

بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أوروك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله؛ ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أوروك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أوروك فيفكر في قرارة نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أوروك على وفاته.

الخاتمة :

الحديث عن العلاقة بين الأدب والفكر الأسطوري عامة حديث يجد مصداقاً لها في ملحمة جلجامش، فهي تعبير عميق عن الأدب وعلاقته بواقعه الحضاري والثقافي، وهي من  الملاحم الكبرى، ولعلها من أهم الملاحم و أقدم ملحمة إنسانيّة مدونة.

لكن يبقى هناك اختلاف بين الحياة والخيال، فالحياة واقع يعاش، أمّا القصص فتروى، لكن في ظل حبكات تلقيناها من ثقافتنا،  فالملحمة تبقى قصة تروي تقدم فهم وافٍ عن الحياة التي عاشها السومريون أو البابليون. كما عبّرت عنهما ملحمة جلجامش فهي ملحمة سومريّة مكتوبة بخط مسماري على اثني عشر  لوحاً طينياً اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصيّة للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى.

وقد كتبت عن هذه الملحمة دراسات لا تعد ولا تحصى، وأُشبعت نقداً وتمحيصاً ومعالجة، ومع ذلك مازلنا نتابع بين الحين والآخر دراسات جديدة عنها، ونقرأ روايات وقصص ومعالجات إبداعيّة مستمدة من وحيها، وأعتقد أن السّر في هذا الاهتمام والإعجاب يعود إلى أن هذه الملحمة مازالت متلفَّة بغطاء الخيال.

فهذه العناصر عناصر مؤثرة في تكوين أحداث الملحمة عبر مزج الحقيقي بالأسطوري، والواقع بالخيال، وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة، وخيالها متسربل بالرمزيّة.. هي واقعيّة من حيث تناولها الإنسان حياة وموتاً؛ وهي رمزيّة لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة.

وهكذا جاء الأدب بوصفه مرآةً عاكسة لمتطلبات الحياة وحاجاتها لهذا جاءت الأسطورة بوصفها كلمة أو هي مجموعة من الكلمات التي تظهر على شكل رسالة .

 

  #Salam Taha

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker