سلام طه

رمزية الإرث وحيوية الذاكرة لدى العراقيين القدماء

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نشر المقال في مجلة الجديد اللندنية ( العدد 77- حزيران 2021 - أضغط هنا من فضلك لزيارة موقع المجلة).

عبدالسلام صبحي طـــه

 

ثير مؤخرا الكثير من النقاش حول الخطط الموضوعة بشأن إعادة إعمار موقع جامع النوري في مدينة الموصل، التي طالها الدمار جراء الإرهاب والحرب عليه. وقد طرحت إثر ذلك مسابقة معمارية عالمية تبنتها منظمة اليونسكو لاعتماد تصميم جديد لبعض مرافق الموقع، ففاز تصميم لم يراع خصوصية الموقع الأثري والثقافة المعمارية الموصلية العريقة، وانقسم أهل العراق بين مؤيد ومعارض له. تبنى التيار المعارض أساتذة معماريون مختصون بالتراث المحلي، ويبدو أنه لم يجر الأخذ برؤاهم بشكل أو آخر، وجوهر الاعتراض كان غياب التركيز عن روح المكان وتفاصيله، كون الأمر متعلق بأثر متميز ولا بد من مراعاة خصوصيته.
في قول مأثور لعالم السومريات الشهير صموئيل نوح كريمر (1897 – 1990) إن “التاريخ بدأ من سومر”، شهادة ولا أصدق من عارف أفنى عمره بين ألواح سومر، ستكون بمنزلة المبتدأ والمنتهى للمقال.
عُرف عن أهل العراق القدماء اهتمامهم بإرث أسلافهم، فقد أدركوا جيدا أنهم ورثة بلاد عريقة ذات تاريخ مجيد، أرست الآلهة أسسها بحسب أساطيرهم، فأنزلت الملوكية من السماء على حواضر الحضارة الأولى وسوّرت مدنها وباركتها، ولذا أصبح التعامل مع الإرث واجبا مقدسا على أبناء الشعب إرضاءً للآلهة، سنقوم بسرد بعض من شواهد أرشيفنا الآثاري الغني تتعلق بدور الإرث في بناء المجتمع.

 

Eridu

الشكل(1)  اريدو ( وتعني المدينة البعيدة او القصية) و  التي هبطت فيها الملوكية من السماء لاول مرة، و ترقى الى حوالي 5400 ق.م.

اليمين - فوتوغراف من حفريات اريدو وتظهر الطبقات ال 17 التي تؤشر الى الادوار المتراكمة - اليسار:  رسم تخييلي لزقورة الابسو (  نون كي ) حيث مسكن إله الماء والحياة  إين-كي

نصوص الفأل – الشومّا آلو

وردتنا قائمة طويلة من النصوص المتعلقة بطقوس الأدعية المختصة بترميم الأبنية من العصر البابلي القديم والتي استمر العمل بها حتى العصر السلوقي، ترد فيها تعاليم تُعرف بالشومّا آلو (وترجمتها : أذا مدينة في الأعالي) وهي تشمل الأبنية الخاصة بالسلطات الدينية والسياسية وحتى بيوت بعض الخاصة من الناس.
• إذا رمم شخص معبدًا، فسيحالفه الحظ الجيد.
• إذا هدم شخص معبدًا، فسيبتلعه النهر (طقس عراقي قديم، يُستخدم للحكم على السيء من الناس).
• إذا نقل أحدهم هيكلًا، فسينتهي هذا الشخص حطامًا.
• إذا رمم أحدهم مُنشًأ قديمًا، فإن إلهه سيكافئه.
هذا النص مثال لقائمة طويلة من نصوص كانت تتلى كجزء من طقس حماية للمنشآت وتماثيل الآلهة والملوك، ترد بها تعاليم واضحة وصريحة باتباع منهجية محددة لتفادي قلق الآلهة وانزعاجها.
هكذا وصايا يحيط بتفاصيلها كهنة مختصون يدعون “بارو”، ولديهم خبرات بحسابات المساحة والتخمين الإنشائي، وهم يقومون كذلك بمهمة التدقيق بشأن اللقى والعاديات التي يجري العثور عليها في طبقة الاسس القديمة من احجار وشواهد أسس وآجرات، فهذه جميعها تعتبر عرفًا الشواهد المادية لذاكرة المكان، والاهتمام بالحفاظ عليها سيجلب رضا الآلهة وقبولها والمكافأة بالحظ السعيد للأرض ومن سيسكنها.

 

Sippar Libraary

 

الشكل (2) موقع أثري عراقي،  يظهر في رفوف لمكتبة كانت تحفظ فيها الرقم المسمارية وتكون بالعادة ملحقة بالمعابد

 

طقوس صيانة البنايات القديمة

في  نص عراقي قديم، يرقى إلى العصر السلوقي (دام من حوالي 312 الى 238 ق.م) بعيد وفاة الإسكندر المقدوني في بابل (عام 323 ق.م)، يرد تفصيل لطقوس تتعلق بالبناء و العمارة وكيفية التعامل مع المنشآت القديمة الدينية منها كالمعابد والحكومية كالقصور، ويبدو أن هذه الطقوس قد تناقلتها الأجيال وسنجد جذورا لها ترقى إلى العصور السومرية في مطلع الألف الثالث ق.م، ينص الطقس على أن يقوم كاهن التعزيم الخاص المدعو الكالوّ (Kalo) برفع طابوقة من المعبد القديم ووضعها في مذبح المعبد الجديد وخلال تلك العملية تجري تلاوة تراتيل قديمة لآلهة البناء والتشييد كولّا (Kulla) أو إلى بنّاء انليل العظيم (šidim galden-líl-lá-ke4)، وبعضها كان يدون باللغة المقدسة للمعابد (السومرية)، الفكرة كانت بالإبقاء على المنشآت القديمة المكشوف عنها ومعاملتها بحذر شديد عن طريق حفظ ما تبقّى، ومن ثم البناء من حوله أو عليه، وفي هذا دلالة على قدسية المُنشأ القديم. هكذا طقوس كانت تسبقها بالعادة عملية مسح دقيقة للموقع بعد إجراء الكشف من قبل الكاهن الخبير المختص (البارو)، كي يجري تفادي الدمار والضرر ما أمكن.
كان أهل البلاد على دراية وفهم لهذا الأمر بدليل كميات النصوص التي عُثر عليها، والتي تفصّل لهذا الأمر بشكل صريح، أن التراكم التاريخي الكبير الحاصل في بلاد النهرين، أورث الشعب بيئة ثقافية غنية دفعت أبناءه إلى الاهتمام بما توارثوه، فوضعوا نصوصا تفصيلية وابتدعوا طقوسًا خاصة لتطمين الآلهة بحسب اعتقادهم

البناء والترميمات في مدينة أور

zigguratUrrecons

الشكل (3) زقورة اور ما كانت عليه  (ربما ! ) في عهد العاهل البابلي نبونئيد ( باللون الاخضر ) وما آلت اليه في مطلع القرن العشرين

 

ام المنقب البريطاني تشالرز ليونارد وولي، المكلف ببعثة التنقيب المشتركة للمتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا، في الأعوام (1922 – 1934) بحفريات واسعة في مدينة أور العراقية القديمة (تل المقير) في محافظة ذي قار الحالية، وكانت شاملة إلى الحد الذي جعلنا نتعرف على ما كان يجري في هذه المدينة على مسافة زمنية تقرب من (1500 عام) من عمليات ترميم مستمرة للمنشآت والأبنية في حي المعابد على وجه الخصوص، حيث الزقورة الشهيرة (واسمها إي- تيمين- ني – كور) التي شرع ببنائها الملك أور- نامو مؤسس سلالة أور السومرية الثالثة التي دام حكمها من 2113 – 2005 ق.م، والذي أتم بناء طابقها الأول على أسس مصطبة كانت تسبقها بقرون، وربما استكمل بناءها ابنه شولجي من بعده. وعلى ما يربو من 1500 عام، حرص ملوك العراق القديم من بابليين وآشوريين على وضع لمساتهم بأعمال الترميم والتجديد على مرافق الحي المقدس المختلفة، وتركوا نصوصا حول ما قاموا به، فنجد ذكرا لأعمال ترميم على الزقورة قام بها الملك الكشّي كوركالزو من العصر البابلي الوسيط (1595 – 1150 ق.م) تلتها أعمال ترميم على المعابد قام بها الحاكم الآشوري في أور سين- بلاطو- أكبي، أعقب ذلك رعاية خاصة تكفل بها ملوك بابل الحديثة، فنجد آجرات مختومة باسم الإمبراطور البابلي نبوكودوري أوصّر الثاني (نبوخذنصر في العهد القديم، 605 – 562 ق.م) في أرجاء حي المعابد، تشير إلى أنه قد رمم القسم الأكبر من أبنية حي المعابد وسوره بالجدار المقدس (واسمه إي- كيش- شر- كال) وتلت ذلك أعمال تشييد وصيانة لا تزال آثارها واضحة نفذها نبونئيد اخر ملوك بابل الحديثة (555 – 539 ق.م)، فهو الذي جدد الزقورة وعلى النمط القديم مع بعض الإضافات الواضحة في الواجهة الأمامية والسلالم الجانبية، وقد عُرف عن نبونئيد ولعه بالبحث عن القطع الأثرية القديمة وتجميعها ولذا مُنح لقب الآثاري الأقدم في التاريخ، ولا أدل من هذا الشغف أنه قد خصص غرفة في أحد المعابد لتجميع العاديات، وكانت ابنته الأميرة الكاهنة العظمى في أور (بيل شالتي ننا) مسؤولة عن تنظيمها وترتيب القطع وذكر تفاصيل عنها كما في المتاحف المعاصرة.

The Clay Label Bel Shalti Nannar

الشكل (4) رقيم مسماري يفصل شروحات لقطع  بلغتين (سومرية و اكدية)  من الغرفة المتحفية للأميرة البابلية بل شالتي ننا في مدينة اور

 

يورد ليونارد وولي في كتابه “أور الكلديين”، خبرًا متعلقًا بالملك نبونيئد مفاده “خلال أعمال التجديد لمعبد الإله سين في أور، فإنه قد أمر بحفر الأرض للتفتيش عن المخطط للمعبد الأصلي، كي يتمكن من إعادة البناء وفق التصميم الأول حفاظا على قدسية المكان، وخلال الحفريات فقد عثر على رقيم طيني باسم الملك السومري (بور سين،) الذي حكم في أور بحدود 1500 عام قبل زمن نابونئيد تقريبًا، فأمر كتبته باستنساخ الرقيم القديم وقام بوضعه في محله وطمره بالتراب، وفي النهاية يسجل وولي شهادة لا أروع بحق هذه البلاد وأهلها بالقول “يبدو أن حرفة التنقيب لدى سكان بلاد ما بين النهرين القدماء، عريقة كتاريخهم، وأن التبجيل لآثار العصور القديمة وخطورة محوها أو العبث بها تسري في دمائهم كسريان الأسطورة في مدوّناتهم”.

 

تواصل حضاري بين حاكم سومري وآخر آرامي

وردتنا نصوص لحاكم آرامي اسمه (أدد نادين أخي) عاصر الحكم الفرثي في أواخر القرن الثاني ق.م، وكانت مقاطعته تتمتع باستقلال شبه ذاتي، وكانت تقع تحديدا في الموقع القديم لمملكة لجش السومرية (وعاصمتها جرسو– وتعرف حاليا تلّو)، حيث عثر بناؤو قصره الجديد خلال الحفر على تماثيل تعود للحاكم السومري الشهير جوديا ( ومعنى اسمه المنصّب حكمة )، وهو أمير من سلالة لجش الثالثة (حوالي 2164- 2144 ق.م) والذي سبق الملك أخي زمنيًا بألفيتين من الأعوام تقريبًا، يرد في النص أن الملك أخي “قد أمر البنائين بجمع اللُقى القديمة وعرضها في ركن خاص بالقصر، وطلب من كتبته قراءة النصوص التي دونت عليها باللغة السومرية، وتقليد الكتابة بذات أسلوبها الأصل وباللغتين الآرامية واليونانية، وكذلك اشترط على البنائين أن يحاكي التصميم المعماري لقصره الطراز السومري القديم للمنشأ.

Adad Nadin ahhe reduced

الشكل (5) لوح الحاكم أدد نادين أخي مدون عليه نص ثنائي اللغة ( ارامي و يوناني) والارامي مدون بنسق الكتابة المسمارية السومرية

 

إن الأمثلة التي جرى سردها أعلاه، تُثبت بلا شك مديات احترام العراقيين القدماء لإرث أسلافهم الغني، ومسؤوليتهم بنقله جيلا إثر آخر، توكيدًا لأمانتهم في الحفاظ على الإرث والذاكرة. يعتبر التراث الثقافي ركنًا أساسيًا من أركان الوعي الجمعي، وما نودّ أن نتلافاه حقا هو أن نفتح حوارا مع جيل عراقي في المستقبل عن المنجز الحضاري لأسلافهم، فنجدهم يحارون بالرد جراء جهلهم بالأمر، وهذا إن حصل فهو نتيجة طبيعية للتغييب الحاصل حاليًا من جهة المناهج الدراسية والوضع الكارثي للإعلام المسيس والتسويق التجاري الذي يسطح عقل المواطن، ناهيك عن عمليات المحو الممنهج لمكامن الحضارة في حواضر العراق القديم وشواهده كما حصل خلال فترة الحصار الظالم على العراق او مع الإرهاب الداعشي في محافظة نينوى وبشكل مخطط له، يهدف إلى قطع حبل المشيمة بين الماضي والحاضر وترك ذاكرة الأجيال نهبًا للتلاشي. إن محاربة التجهيل الحاصل للأجيال الناشئة بل والمجتمع بشكل عام تعتبر بمنزلة مهمة نبيلة ومشرّفة، تستلزم منا جميعًا كورثة لمساهمات أسلافنا في مسيرة البشرية، أن نحفظ للعراق هيبته أمام أمم العالم ومكانة منجزات أهله السامية في منظومة الحضارات، لأنهم والحق يقال وضعونا تحت مهمة جسيمة ولكنها مشرفة بتوريثنا ثٌرى الوادي العريق الذي تحركت منه عجلة التاريخ.
Write comment (1 Comment)

مصير الارشيف العراقي للطائفة الموسوية( اليهودية)، مشاركة على موقع ( الجزيرة نت )

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

مقال اشترك به مجموعة من الباحثين في موقع الجزيرة نت ( الرابط ) حول موضوع تفاصيل ومصير الارشيف العراقي المتعلق بالطائفة الموسوية( اليهودية ) والذي جرى اخراجه من العراق في حزيران 2003 و ملابسات الموضوع.

عبدالسلام صبحي طه

passover haggadah sm

______________________________________________________

ما مصير أرشيف يهود العراق الذي استولت عليه القوات الأميركية عام 2003؟

الأرشيف اليهودي حوى مجموعة من الكتب الحجرية القديمة والكتب الحديثة، ووثائق ومخطوطات يعود تاريخها إلى مئات السنين (

القوات الأميركية عثرت عام 2003 داخل قبو تحت مقر المخابرات العراقية ببغداد على آلاف الوثائق والكتب المغمورة بالمياه (رويترز)

بينما كان العراقيون منشغلين بمشهد المجنزرات الأميركية وهي تجوب شوارع بغداد بعد الغزو، كانت هناك وحدات أميركية خاصة مهمتها البحث عن أسلحة الدمار الشامل وأي وثائق مهمة تركها النظام السابق.

وفي 6 مايو/أيار 2003 دخلت قوة أميركية قبوا تحت مقرّ المخابرات العراقية لتعثر على آلاف الوثائق والكتب المغمورة بالمياه، ومن ضمنها الأرشيف الوطني ليهود العراق، فاستولت عليه ثم نقلته إلى واشنطن بذريعة صيانته، لكنها لم تعده حتى اليوم.

محتوى الأرشيف

والوثائق التي عثر عليها في قبو المخابرات تضمنت 3 أنواع؛ وثائق أمنية، وأرشيف حزب البعث، والأرشيف اليهودي، بحسب الكاتب والباحث نبيل الربيعي.

ويبيّن للجزيرة نت أن الأرشيف اليهودي حوى مجموعة من الكتب الحجرية القديمة والكتب الحديثة، ووثائق ومخطوطات يعود تاريخها إلى ما قبل 300 عام.

ويشتمل الأرشيف، بحسب الربيعي المتخصص في كتابة وأرشفة تاريخ أقليات العراق، على كمية من لفائف التوراة لمقاطع من سفر التكوين البالغ عددها 48، مكتوبة على جلد الغزال، وتقويمات باللغة العبرية، و7002 كتاب، ومجموعة من الخطب المطبوعة بشكل جميل طبعها حاخام في ألمانيا عام 1692م، وعشرات الآلاف من الوثائق المدرسية تعود إلى عشرينيات القرن الماضي حتى منتصف السبعينيات، وكتب مدرسية تربوية لمدارس الأليانس.

كما يضم 1700 تحفة نادرة توثق لعهد السبي البابلي الأول والثاني، وأقدم نسخة للتلمود البابلي، وأقدم نسخة للتوراة جلبت من فيينا عام 1568، ومخطوطات تاريخية، وسجلات شرعية تعود إلى قرون عدة تركها يهود العراق، وكتبا دينية وقصصا تعود إلى القرنين 18 و19، ومذكرات كتبت يدويا عام 1902، وكتاب صلوات عيد الفصح يعود إلى عام 1930 باللغتين العبرية والفرنسية.

ويستطرد الربيعي بالقول "كذلك يحوي مجموعة من المواعظ لأحد رجال الدين طبعت في ألمانيا عام 1892، وكتاب التصوف عام 1815، ورسالة رسمية تعود إلى رئيس الحاخامات بشأن تخصيص الأغنام لرأس السنة، وتقويما عربيا وآخر عبريا لعام 1972-1973، وكتابا مقدسا باللغة العبرية عمره 400 سنة، لافتا إلى اشتمال الأرشيف اليهودي على مجموعة من الوثائق المهمة التي تؤكد تاريخ الحضارة البابلية وتاريخ اليهود.

الكبيسي: أهمية الأرشيف اليهودي تكمن في كونه ثروة تراثية وتاريخية ومادية وطنية (الجزيرة نت)

كنز ثمين

وترجع أهمية الأرشيف اليهودي العراقي -الموجود الآن في أميركا- إلى كونه ثروة تراثية وتاريخية ومادية وطنية، إذ يحتوي على آلاف الوثائق المتنوعة التي تغطي مرحلة زمنية وتاريخية تمتد إلى ألفي عام، كما يقول الدكتور صباح حمدان الكبيسي الأكاديمي والباحث في الأديان وحوار الحضارات.

ويضيف للجزيرة نت أن المخفي أكبر، مشيرا إلى أن من المسروقات التي لم يسلط الضوء عليها صندوق التوراة اليهودية المصنوع من الفضة والذي يحوي لفافة التوراة المكتوبة على جلد الغزال، التي يقال إنها ترجع إلى عهد نبي الله عزرا المدفون في محافظة ميسان جنوبي العراق، وهذه التوراة مع صندوقها لا تقدر بثمن لقدمها ولأهميتها التاريخية والدينية وحتى العلمية.

ويشير الكبيسي إلى أن الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وفي إسرائيل وفي شتى أصقاع العالم مهتمة جدا بهذا الأرشيف ويعدّونه كنزا، لأنه يدلل على وجود مجتمع يهودي حي ومتفاعل وكبير ومثقف كان حريصا على العلم والدراسة ويعيش ضمن تقاليد روحية ودينية.

دفن الوثائق

ويتحدث الكبيسي عن مشكلة جوهرية تتمثل في الافتقار إلى جرد حقيقي لمحتويات هذا الأرشيف، وأن الحكومة العراقية لم تبلغ بمحتويات الأرشيف، ولم تعلم التالف منها بفعل الماء المتسرب للقبو، ولا الصالح.

اعلان
 

وينقل عن الصحف الأميركية أن مئات الوثائق المتضررة دفنت بمراسيم جنائزية يهودية كاملة أشرف عليها مجموعة من رجال الدين وحاخامات اليهود والجالية اليهودية في الولايات المتحدة، والكثير من أبناء وأحفاد اليهود العراقيين المقيمين هناك، وبحضور ممثلين دوليين.

وينوّه الكبيسي بأن دفن مئات الوثائق وما شابه من ضبابية مسألة خطرة جدا، لأنه لا يعرف أحد، ولا حتى الحكومة العراقية، ولا الجهات العلمية المتخصصة بماهية هذه الوثائق وتفاصيلها، وإلى اليوم لا تعرف الدولة العراقية محتويات الأرشيف بكل تفاصيله وليس لديها جرد لمطابقته مع الموجود في الولايات المتحدة.

طه: كان من المفترض بعد إتمام ترميم الأرشيف ودراسته أن يعود إلى العراق (الجزيرة نت)

ترميم أم تهريب؟

ولدى العثور على الوثائق كانت الخيارات المحلية في بغداد لتجفيف المواد والاعتناء بها محدودة، فشُحنت الكتب والوثائق إلى الولايات المتحدة عام 2003، لصيانتها، على أن تعاد إلى العراق عام 2014، بحسب الباحث والكاتب عبد السلام صبحي طه.

وفي حديثه للجزيرة نت يعرب طه، مؤلف كتاب: الكارثة، نهب آثار العراق وتدميرها، عن اعتقاده أن قضية إخراج الأرشيف تمت أولا، ثم أُبلغت الحكومة العراقية من باب العلم بالشيء لا من باب أخذ الموافقة.

 

ويضيف أنه كان من المفترض بعد إتمام الترميم والدراسة والأرشفة أن يعود الأرشيف إلى العراق، متسائلا "ما الذي سيعاد، وكم صندوقا سيذهب إلى تل أبيب؟".

ويحمّل طه الجهات المعنية قبل الغزو جانبا من المسؤولية، إذ لم تتعامل بطريقة مناسبة مع تراث هذه الطائفة في العراق، فوضع الأرشيف في قبو ليتآكله النسيان وتغمره المياه، أعطى فرصة للمحتل ليأخذه بحجة ترميمه.

ويوضح أنه بعد إخراج الأرشيف من العراق تعاونت جهات عدة على عملية الترميم والأرشفة والدراسة، منها مركز التاريخ اليهودي، وحكومة العراق، والمؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية، ووزارة الخارجية الأميركية، والمنظمة العالمية ليهود العراق، فضلا عن اللجنة اليهودية الأميركية، ومنظمة بناي بريث، وغيرها.

مطر:  القوات الأميركية استولت على 200 صندوق من الأرشيف الرسمي العراقي (الجزيرة نت)

وحدة ألفا ومؤسسة الذاكرة

من جانبه يقول سليم مطر، مؤلف كتاب "تاريخ العراق أرض وشعب ودولة"، إن وحدة "ألفا" الأميركية، اضطلعت بدور أساسي في المهمات الخاصة في أثناء الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003.

ويبيّن للجزيرة نت أن مجموعة من الوحدة الخاصة مكونة من 26 جنديّا أميركيا عثرت في داخل قبو للمخابرات غربي العاصمة بغداد على 200 صندوق من الأرشيف الرسمي العراقي، لدى بحثها عن أدلة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.

ويضيف أن القوة الأميركية استولت على كامل الأرشيف العراقي وأرسلته إلى أميركا، للكشف عنه والسيطرة على أسرار الدولة العراقية وتاريخها.

وعن دور مؤسسة الذاكرة العراقية في هذا المجال، يقول مطر إن هذه المؤسسة تمتلك أكبر أرشيف للدولة العراقية، من أهم وثائقه قاعدة بيانات شمال العراق، التي تضم نحو 2.4 مليون وثيقة إدارية، استولى عليها المسلحون الأكراد عام 1991.

كما تحتوي على أكثر من 750 ألف صفحة من الوثائق الرسمية العراقية التي استولت عليها قوات التحالف في الكويت عام 1991، وكذلك أرشيف قيادة حزب البعث الذي يحتوي على أكثر من 3 ملايين صفحة، تم الاستيلاء عليها بعد اجتياح العراق عام 2003، وكلها نُقلت إلى أميركا.

ويشير مطر إلى أن مؤسسة الذاكرة العراقية أسسها كنعان مكية في واشنطن في أواخر تسعينيات القرن المنصرم، بدعم مالي من مؤسسات أميركية عدة تابعة للمخابرات، وبالتنسيق مع الكونغرس الأميركي، ‫وعام 2003 زار مكية إسرائيل ليتسلم منها دكتوراه فخرية، وعام 2007 نال شهادة فخرية ثانية، وكذلك أصبح ضمن مجموعة استشارية سرّية لإدارة الأزمات وتقديم النصائح، شكلتها الولايات المتحدة وإسرائيل، على حد قوله.

حسين أكد تحرك الحكومة العراقية لاستعادة الأرشيف كاملا (الجزيرة نت)

المهلة الأخيرة

من جانبه نفى رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث العراقي -الدكتور ليث مجيد حسين- تهريب الأرشيف، مؤكدا وجود اتفاق في ذلك الوقت على إخراج الأرشيف وصيانته.

ويؤكد للجزيرة نت أن هناك اتفاقيات موقعة بشأن هذا الموضوع، واقتضى الاتفاق أن يبقى الأرشيف هناك سنوات عدة بعد الصيانة، ثم يعود مرة أخرى إلى العراق، لكن مدة بقائه في الولايات المتحدة طالت لأسباب متعددة، منها تعذر اكتمال عمليات الصيانة وتعقيداتها، وكذلك عدم توفر التخصيص المالي لترميم كامل الأرشيف.

ويكشف حسين عن أن الحكومة العراقية منحت واشنطن الوقت الكافي لاستمرار أعمال الصيانة، وأن آخر مهلة تمديد سوف تنقضي العام الحالي، ومن المقرر أن يعود الأرشيف إلى العراق بعد أشهر، على حد قوله.

ويتحدث حسين عن تحرك جادّ للحكومة العراقية يستهدف استعادة الأرشيف، وأن الجهات المعنية تبذل جهودا كبيرة لإعادته كاملا بلا أي نقصان.

واستبعد فرضية التلاعب كون الأرشيف موثقا بقوائم، فهذا ما ذكرته الوثائق الرسمية في ذلك الوقت، وأوضح أن هناك لجانا عراقية خاصة ستطابق الأرشيف بعد عودته إلى العراق، للتحقق من عدم نقصان أي وثيقة.

 

Write comment (1 Comment)

سجال فكري عن زيارة البابا فرانسيس لمدينة اور واشكالية البيت المنسوب للنبي ابراهيم

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نشرت مجلة الجديد في عددهاالمرقم 75 والصادر في 1 نيسان 2021، مقالا بعنوان (سجال فكري ) جرى فيه تسجيل مجموعة حوارات عفوية  التي دارت  ما بين نخبة من المثقفين و القراء حول موضوع البيت المنسوب للنبي ابراهيم في مدينة اور( تل المقير ) في محافظة ذي قار في جنوب العراق.

لتحميل نسخة المقال ( أضغط هنا من فضلك ).

 

157520997 10159365546375990 2989258181679764404 n

 

 

 

 

 

 

 

 

Write comment (0 Comments)

مهد الحضارة المنهوبة ( مشاركة في ندوة قسم الدراسات الكلاسيكية -في جامعة كولومبيا - نيويورك)

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

 

موعد الندوة : الجمعة 26 اذار 2021
الرابعة عصرا بتوقيت نيويورك - منتصف الليل بتوقيت بغداد
التفاصيل للمشاركة عبر منصة زوم.

 

Salam

 

 الورقة البحثية المقدمة ستكون بعنوان The Cradle of Looted Civilization

محاور الورقة سيجري نشرها لاحقا بعد موافقة الجامعة.

 

 

 

Write comment (0 Comments)

البيت المنسوب الى النبي ابراهيم في مدينة اور العراقية القديمة في محافظة ذي قار بين السردية الدينية و العلم الآثاري

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

 نشر المقال في مجلة الجديد اللندنية ( عدد آذار 2021 ), ( الرابط - أضغط هنا من فضلك ).

 

j7

 مجمع الابنية الحالي بعد الترميم و الذي يضم البيت المنسوب للنبي ابراهيم و أسس البناء الاصلي ترقى الى عصر إيسن - لارسا (حوالي 2000 - 1730 ق.م) 

 

 

 ( ملاحظة المقال لا يمس العقيدة الدينية وانما يحلل الوقائع بخصوص البيت المنسوب للنبي ابراهيم في مدينة اور العراقية القديمة و يركز تفصيلا على أراء لنخبة من الاثاريين والمؤرخين).

نٌشرت مؤخراً أنباء عن زيارة مفترضة للبابا فرنسيس إلى مدينة أور في محافظة ذي قار العراقية، فقرة جرى تعريفها في برنامج الزيارة الرسمي، بحسب الموقع الإلكتروني للفاتيكان، ومن ثم “حضور تجمع للأديان في سهل أور”. إذن الزيارة طابعها ديني وليس ثقافياً – سياحياً، كما كنا نأمل، لزيادة الوعي بالمدينة وتاريخها ومنجز أهلها القدماء. وعلى ما يبدو أن لهذه الزيارة سجلّ أبعد، يرقى إلى عام 1999، حين أعلن الفاتيكان عن نية البابا يوحنا الثاني زيارة العراق، ومدينة أور على وجه التحديد. كان العراق حينها يرزح تحت عقوبات دولية قاسية، وقد حاولت الحكومة العراقية آنذاك استثمار الزيارة سياسيا من باب استغلال ثقل الفاتيكان من أجل التخفيف من تلك العقوبات وربما رفعها، وربما لم يحصل اتفاق بين الطرفين، ما حدا بالحكومة العراقية إلى تعليق الزيارة. ولكن المحزن في الأمر أن السلطات الآثارية العراقية آنذاك، ممثلةً بهيئة الآثار التي كان يرأسها السيد ربيع القيسي، وربما بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام  التي كان يرأسها آنذاك د. همام عبدالخالق، كانت قد شرعت بأعمال إعمار وترميمات سريعة  لم تراع فيها الضوابط والسياقات المتعارف عليها في أعمال الترميم والصيانة الأثرية، وقد جرى اختيار بنايات في زاوية منعطف على زقاقين  تبعد مسافة 300 متر تقريباً عن الزقورة، كانت مجمعاً يضم مدرسة ومعبداً صغيراً، كما جرى تبليط الممشى لتسهيل مسير الزوار، وأُطلق على هذه الدار “بيت النبي إبراهيم”.

j9 1

أسس وجدران البناء الأصلي لجزء من الموقع  قبل اعمال الترميم 

 

j8 2

                                                                                                          البناء الحديث ( بعد اعمال الترميم )

 

إن صيانة أو ترميم أي مبنى أثري أو تراثي يجب أن تتم باستعمال مواد بنائية من نوعية ومواصفات مواد البناء الأصلية نفسها، والحال، فإن استخدام الطابوق الفني الحديث، الإسمنت ومواد حديثة أخرى في بناء هذا البيت قد نزع عنه صفة القدم أو الأثر. لقد شكل هذا البيت، بكل إشكالاته التاريخية والفنية، مشكلة وعقبة فنية كبرى واجهت محاولات قبول ملف أور من أجل وضعها على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، بوصفها محمية تراثية عالمية، فقد اعتبر البيت في حالة “صيانة غير علمية وإضافة غير مدروسة”.

إن البناء الجديد (البيت) قد أقيم على مساحة واسعة (حوالي 2200 متر مربع)، في منطقة غير منقبة سابقاً، وقد أحدث بناؤه استياءً مدوياً في الأوساط الآثارية العالمية التي شجبت واستنكرت المساس بتراث مدينة أور، لأغراض وأجندات سياسية.

كان المنقّب البريطاني السير تشالرز ليونارد وولي (1880- 1960) قد أشار في أحد تقارير بعثته التنقيبية  (ترأس إثني عشر موسماً من عام 1922– 1934) إلى أن خبير النقوش والكتابات في البعثة قد ترجم رقيماً مسمارياً عُثر عليه في إحدى الدور السكنية تبعد مئات الأمتار عن الزقورة، (جرى تعريف الموقع في تقارير وولي بالرمزAH  اختصاراً لــ (Abraham House )مدوناً عليه  اسم “آبرامو”، كما عُثر على تمثال لكبش مزخرف، ربما كان قاعدةً لطاولة في غرفة ملكية أو في معبد، جرى ربطه بكبش التضحية الوارد في قصة النبي إبراهيم. ويظهر من خلال تسلسل الأحداث أن وولي سرعان ما أبرق إلى مموليه من المتاحف والجامعات والجمعيات التوراتية عن هذا الكشف المبهر، وهو أمر جرى حوله الكثير من اللغط في الأوساط الآثارية، وتم تفنيد هذه الترجمة، بل والموضوع برمته لاحقًا. وفي كتابه المعنون “النبي إبراهيم”، الذي صدر عام 1936، تغيرت نبرة اليقين المتعلقة بالأمر لدى وولي، وحاول مسك العصا من الوسط من خلال توظيف تعابير لغوية تحتمل أوجه قراءة مختلفة، وهو أمر ربما يُفسَّر على أنه اتقاء لشر الاختلاف مع الجمعيات الدينية التي كانت قد ساهمت في تمويل جزء من حملاته التنقيبية في مدينة أور السومرية العراقية القديمة.

نُشر العديد من البحوث والدراسات والكتب عن الموضوع في الغرب، وجرى تحري الحقيقة بأدوات البحث العلمي، التي تطرح وجهات نظر جديرة بالاعتبار، ولكن لا يزال هنالك نوع من مسايرة أيديولوجية دعماً لمدارس تقليدية عقائدية في الرأي، تحاول إحالة عائدية الدار السكنية، التي حددها وولي، إلى الشخصية الدينية الوارد ذكرها في العهد القديم باسم “أبراهام”، واعتبارها مسقط رأسه، ولمسرح السردية التي وردت في إصحاحات سفر التكوين، والتي  يرقى أقدم  زمن لتدوينها إلى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، إذ شرع الكتبة اليهود المرحّلون في بابل بتدوين سرديات جُمعت تحت مسمى “الكتاب المقدس”، وقد استُكمل العمل بعد عودة قسم آخر منهم إلى فلسطين، إثر منحهم الإذن بالعودة من قبل الملك الفارسي الأخميني كورش، الذي احتل مدينة بابل عام 539 ق.م، فلو أن التاريخ المفروض لحضور النبي إبراهيم على مسرح الأحداث هو ما بين القرنين التاسع عشر والسابع عشر ق.م، بحسب مؤرخي العهد القديم، فإن هذا سيترك مساحةً زمنيةً تتجاوز الخمسة عشر قرناً تقريباً ما بين الزمن المفترض للشخصية وما يرد عنها تدويناً في سفر التكوين، إذ لا بدّ أنّ تناقل الأحداث قد جرى شفاهياً، مع الأخذ بنظر الاعتبار تبدّل اللغات والألسن، بل وحتى المواقع الجغرافية وأسماء الأماكن، مما سيشكل لبسًا للباحثين كما سيجري عرضه لاحقاً.

 

مدينة أور ( الكلمة مشتقة من الأصل السومري أوريم والاكدي أورو وتعني مدينة)، ذُكرت  في العهد القديم تحت مسمى “أور الكلدان” وهو مسمّى فيه لبس واضح، وهذا يثبت أن عملية تدوين التوراة، أو توارد قصصها شفاهياً قد جرى خلال عصر الدولة البابلية الثانية (الكلدانية)، أي بعد الترحيل الثاني ليهود فلسطين عام  583 ق.م على يد الملك البابلي العظيم نبو كودوري أوصّر الثاني (نبوخذ نصر في التوراة)، في حين أورد المدونون التوراتيون أن إبراهيم عاش خلال النصف الأول من الألف الثاني ق.م في عصر الدولة البابلية الأولى (الآمورية – دولة حمورابي).

 

j10

(رسمة متخيلة لهجرة أبراهيم و أهله - بريشة الرسام الاميركي توم لوفيل )

كانت أور مدينةً سومريةً مقدسةً لإله القمر (نانا أو ننار بالسومرية، وسين بالأكدية)، ومن أسمائها الأخرى “قامارينا”، ويُعتقد أنه مرتبط بالكلمة العربية “قمر”، مع أن كامارينا هو أيضاً اسم لمدينة قديمة في جزيرة صقلية. إن توصيف أور بالكلدانية ربما اتفق مع حقيقة أن أسلاف إبراهيم كانوا من عبدة القمر، وقد وردت هذه الفكرة على أساس احتمال كون اسم والد إبراهيم الوارد في التوراه هو (تارح أو تيراح) والمرتبط  بالاسم العبري للقمر (ي- ر- ح)، من الجذر الأكدي “أرخُ” وتعني شهر والذي هو الاصل في كلمة “تاريخ”. على أيّ حال، فإن التراث اليهودي يذكر أن تيراح كان يعبد عدداً من الآلهة، ربما كان من بينها “إيل”، وأن ما قد حصل من اضطرابات كان بسبب الخلافات بين كهنة الإلهين “سين” و”إيل”، ويبدو أن عبادة القمر “سين” هي التي انتصرت في النهاية، فما كان من عبدة “إيل” إلا الهجرة شمالا، ولكن الحجة في هذا الخصوص لا تزال ضعيفة. من الجدير بالذكر أن اللقب الذي يُقرن بالنبي ابراهيم هو “خليل الله”، وهو من الجذر اللغوي الأكدي (خِل إيل) ويعني (الذي صادق الله و أخلص له).

ولكي يجري الفصل التام بين الرغبة في تطوير الموقع الأثري في أور، المدرج على لائحة اليونسكو للمواقع التراثية العالمية عام 2016، وبين زيارة شخصية بوزن الحبر الأعظم إلى موقع كهذا، فإن الدعم الإعلامي ينبغي أن يركز على تنشيط السياحة الآثارية، وتعميم المعرفة بتاريخ العراق الحضاري، ولكن يجب ألاّ تغير زيارة كهذه من ثوابت علم الآثار وحقائق التاريخ على الأرض، ومن أجل ذلك فقد أجرينا  استطلاعاً لآراء آثاريين ومؤرخين عراقيين غايته التحقق من موضوع نسبة النبي إبراهيم إلى مدينة أور العراقية، وأيضاً رأيهم في الدار المنسوبة إليه، لكي لا يجري تثبيت بعض الوقائع الملتبسة على الخرائط، ويتحول مبنى عادي إلى محج ديني مقدس، وربما يتجاوز الأمر ذلك بعد كذا عقد من الزمان ليجري اعتبار منطقة “سهل أور!” برمتها جزءاً من ثوابت السرديات الدينية، وما قد يترتب عليها من تغييرات ديموغرافية وسياسية.

 

في شتاء عام 2010 التقيت عالم الآثارالعراقي الراحل  د. بهنام أبوالصوف في عمّان، وكنت حينها أقوم بجمع مقالاته وبحوثه لنشرها في موقعه الإلكتروني الذي كنت بصدد إطلاقه، ومن ضمن الحوارات عرجنا على موضوع دار النبي إبراهيم في أور، فقال “ليس هنالك أيّ دليل آثاري على أن الدار التي تقع على بعد بضع مئات الأمتار من زقورة أور هي دار النبي إبراهيم، الوارد ذكره باسم “أبراهام” في العهد القديم، وإنما يرقى أصل هذه الدار إلى العصر الحضاري العراقي القديم الذي يُطلق عليه (عصر إيسن/لارسا)، ويمتد تقريباً من عام 2025 – 1730 ق.م، والذي ظن وولي حينها أن إبراهيم لا بد أن يكون قد عاش في هذه البيئة”.

عدت إلى مذكرات الآثاري البريطاني ماكس مالوان (زوج الروائية الإنجليزية آجاثا كريستي)، لأجد أن الالتباسات في التصريحات كانت السبب في هذا الموضوع الذي ترسّخ، على نحو خاطئ، في وعي عامة الناس. إن ما أورده مالوان عن خبير النقوش، آنذاك، الذي صاحب بعثة المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا الأميركية في عشرينات القرن الماضي حين قرأ خطأً ما ظن أنه اسم “أبرامو”، قد ورد تفصيله في تلك المذكرات (منشورات الجمل/ص 67 ، أضغط هنا من فضلك لمطالعة الكتاب)، ومفاده أنه (أي مالوان) قد تسرع وقتها في الإبراق إلى صديق له في إنجلترا وذكر الاكتشاف، وحين علم مدير البعثة وولي بالأمر وبخ مالوان بشدة، وجعله يبعث برقيةً ثانيةً الى الصديق ذاته يلتمس منه فيها الصمت حتى يحين وقت إعلان النبأ. ويعترف في النهاية بأن ذلك الوقت لم يحن أبدا.

لا بد من الإشارة إلى أن البعثات التنقيبية في مطلع القرن العشرين كانت تُموَّل جزئياً من قبل مجمعات دينية وكنسية لرغبتها في تأصيل القصص المتواردة في النصوص. وربما كان مخيباً لأمال البعض منهم، بعد نجاح الآثاريين في فك وتحليل وترجمة النصوص المسمارية، أنها أثبتت حصول اقتباس مباشر وحرفي في بعض الأحيان للكثير من الأساطير العراقية القديمة إلى كتب أحبار اليهود، ومنها إلى العقائد المقدسة الأخرى، وليس العكس كما كان مؤمّلا.

أراء آثاريين ومؤرخين عراقيين

يقول أ. د عامر الجميلي من كلية الآثار في جامعة الموصل، وهو من الباحثين المهتمين بالتراث الثقافي، “لا أعتقد جازماً بأن مدينة أور العراقية القديمة هي المدينة المفترضة مسقطاً لرأس النبي إبراهيم، لأنني أعتمد على المصادر لكي أبني يقيناً، لكنني شخصياً، بوصفي باحثاً في علم الآثار واللغات القديمة ومهتماً بتاريخ العراق والمنطقة وتراثها الثقافي، لا أعتقد جازماً بأن الدار أو مجموعة الدور في مدينة أور العراقية القديمة، والتي يجري تسويقها على أنها كانت سكنى للنبي إبراهيم، الوارد ذكره في الكتاب المقدس، هي بالفعل كذلك، فلم تصلنا أدلة كتابية وآثارية من بلاد الرافدين تؤيد الأحداث التي وردت في الكتاب المقدس عن شخصية باسم “أبراهام”، لكنني أظن أن شخصيةً كهذه، إن كانت قد عاشت، فلربما  تكون في منطقة “أورفة أو الرها– حران”، وهي مدينة لها مشتركات كثيرة مع مدينة أور العراقية القديمة من جهة الاسم، وكذلك انتشار عبادة الإله القمر “سين”. والأهم هو الامتداد الجغرافي المرتبط بشمال إقليم حلب، إضافةً إلى المشتركات اللغوية والثقافية، مما يجعل إمكانية تحقق رحلة منها إلى المسار الذي ورد في العهد القديم أمراً مقبولاً، أضف إلى ذلك وجود خامة الحجارة والرخام في حران وأورهاي جنوب شرقي تركيا وانعدامه في أور (المگير) في جنوب العراق، لأن التقليد المحلي والمأثورات تشير إلى أن أبيه (آزر الوارد في النص القرآني) كان نحاتًا.

(أضغط هنا من فضلك  لمطالعة رأي الدكتور الجميلي على مدونته الرسمية ).

 

ويعتقد الدكتور مؤيد سعيد الدامرجي، وكان رئيساً للمؤسسة الآثارية العراقية لعقدين من الزمن ( 1977 – 1998) ، أن  قصة عائدية  الدار المنسوبة إلى النبي إبراهيم في مدينة أور الأثرية في محافظة ذي قار غير دقيقة، وأن المنشأ الحالي المزعوم قد جرى بناؤه من الإسمنت والطابوق تزامناً مع زيارة البابا السابق يوحنا بولص الثاني في عقد التسعينات من القرن الماضي، والذي كان يعتزم  زيارة أور أيضاً، وكانت الغاية تسويق فكرة المدينة كمسقط رأس للنبي إبراهيم، ومن خلال ذلك تجري حلحلة موضوع الحصار المفروض على العراق بتوظيف ثقل الفاتيكان في الدوائر السياسية الغربية آنذاك.

ويعلق أحد الأساتذة في جامعة بغداد، طالباً عدم كشف اسمه، “لا يوجد بيت للنبي إبراهيم عليه السلام في أور، وكل ما يقال عن ذلك أكاذيب، ولو كان فيها شيء من الصحة لقلبوا الدنيا، ولكنّ آثارييهم ومؤرخيهم يعرفون بكل يقين كذب هذا الادعاء. كذلك فإن أحد أعضاء بعثة التنقيب، التي كانت تعمل في أور آنذاك، وهو ماكس ملوان، فضح ألاعيب رئيس الهيئة ليونارد وولي وزوجته المسيحية المتشددة في مذكراته التي نشرها، قائلاً إنهم أشاعوا ذلك الخبر مع قصة حفرة الطوفان لكي يتمكنوا من كسب أموال لتمويل عمل البعثة، ويضفوا على عملهم مسحة دينية. والآن اكتسبت تلك الكذبة مسحة سياسية دينية للسيطرة على المنطقة بحجة أنها أرض سكنها اليهود، وأنهم أحق بها، وقد حاول البابا السابق زيارة العراق في زمن النظام السابق، والذهاب إلى أور لزيارة بيت إبراهيم، إلا أن زيارته تلك رُفضت. ويريد البابا الحالي زيارة أور، ثم حران وفلسطين ومصر ليعيد طريق مسيرة إبراهيم، ويثبت نبوءة التوراة “من الفرات إلى النيل”.

ويرى المؤرخ والباحث العراقي أ. د صلاح رشيد الصالحي أنه يوجد خلط تاريخي في الكثير من التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع، بدءاً من تحديد مدينة “أور الكلدان”، التي وردت في العهد القديم، إذ ربما جرى الخلط بين أور السومرية (تل المكير) و مدينة أورا Ura = (الرها) بالقرب من حران من قبل كتبة أسفار التوراة، ولذا فإن هنالك جمهوراً من العلماء يعتقد بأن بيت إبراهيم في الرها وليس في أور العراقية، التي لا يوجد فيها بيت كهذا إطلاقا، وإنما كانت محاولة من المنقب البريطاني ليونارد وولي في عشرينات القرن الماضي لتحقيق منجز يوازي اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون، فحاول تتويج كشفه المهم في مدينة أور بالإعلان عن تحديد  بيت ضمن مجمع سكني أو إداري أحاله إلى النبي إبراهيم، مما أحدث ضجة في الأوساط الكنسية، التي كانت ترغب وبشدة في إثبات وجود إبراهيم، وامتداد الإرث اليهودي في العراق. إذ يرد في التوراة بأن “يهوه” منح الأرض (من الفرات إلى النيل)، ولإثبات هذا الوعد يسعى الباحثون في إسرائيل، ودعاة اليمين المسيحي المتطرف إلى اختلاق تاريخ مستوحى من التوراة وربطه مع ملوك العراق ومصر القدماء، ولذا أقولها صراحة إن وراء الزعم بوجود بيت لإبراهيم في أور هدف آخر بعيد. ( أضغط هنا من فضلك لمطالعة رأي الدكتور الصالحي على مدونته الرسمية ).

ويتساءل الآثاري العراقي د. قصي عبدالكريم التركي إن كان اسم أبرام أو أبرم  يشير إلى بيت إبراهيم النبي؟ ويوضح أن هذا الأمر غير مؤكد، ولا تدعمه الأدلة الكتابية أو الأثرية المادية، وقد يكون الاسم فعلا شائعاً ومستخدماً كاسم علم لأسماء من الأموريين القاطنين في مدينة أور، ولكن من دون تأكيد وجود علاقة بينه وبين اسم النبي إبراهيم، علماً أن كلاً من الإنكليزي ليونارد وولي، والإيطالي جيوفاني بيتناتو قد أشارا، وحاولا أن يثبتا وجود بيت للنبي إبراهيم في أور، لكن لا يوجد لديهما أي دليل مقنع، سواء أكان كتابياً من النصوص المسمارية أم مادياً من المكتشفات الأثرية، ووجود ذكر لإبراهيم الخليل في أور لا يتعدى كتاب التوراة، وبعض إشارات عند البلدانيين العرب.

ومن كلية الآداب في جامعة البصرة، نطالع بحثًا للدكتور هاشم عادل علي بعنوان “مدينة كوثى (تل إبراهيم) مدينة النبي إبراهيم الخليل” يفنّد فيه الحجج المتعلقة بنسب النبي إبراهيم  إلى مدينة أور السومرية كونها تقع غرب نهر الفرات، في حين ورد وصفها في التوراة على أنها تقع في شرقه. ويستعرض بعد ذلك التباعد الزمني بين أور السومرية في عصر السلالة الثالثة وتلك التي وردت بالوصف على أنها كلدانية، والمسافة الزمنية التي بينهما تربو على خمسة عشر قرناً. وينهي الدكتور عادل استنتاجه بالقول إن إبراهيم التوراتي كان آمورياً ( بدوياً) لا يمتّ بصلة إلى بلاد السادة المتحضرين في أور السومرية، ثم يسقط الحجج التي تقول إن أور هي “أورها” قرب حران في جنوب تركيا الحالية، ذلك أن “أورها” كانت محض محطة قصيرة بحسب النص التوراتي، ولم تكن موطنه، وهي مدينة آرامية وليست كلدانية بدليل أنها ترد باسم “حقل الآراميين”، وأن النبي إبراهيم لا بد أن يكون آموريا لا آراميا، بدلالة أسماء أبنائه وأحفاده (إسماعيل، وإسرائيل/يعقوب) التي تنتهي بـ”إيل” وهو السياق الذي كان يستخدمه سكان بابل القديمة (الآموريون).

ويصل الباحث إلى مستقر الرأي بالقول إن كان للنبي إبراهيم موطئ في أرض العراق فلا بد له أن يكون في كوثى – ربا بالقرب من بابل إلى الشرق من نهر الفرات، وهي من أعمال الكوفة (في العصر الإسلامي) وقد عُرفت بسرة السواد، ومستقر نبط العراق التي ولد فيها إبراهيم. ( اضغط هنا من فضلك لمطالعة دراسة الدكتور عادل على مدونته ).

لابد لنا في النهاية من الاعتراف بأن أور ذات التراث العظيم الممتد إلى آلاف السنين من الخلق والإبداع في شتى مجالات الحياة، والتي رفدت مسيرة البشرية بمقومات وعناصر الحضارة المدنية، مدينة كهذه منحت التاريخ إسماً ومعنى ليست في حاجة إلى من يعرّف بها، من خلال إقحامها في روايات توراتية مثار جدل، وقد لا تصمد طويلاً أمام البحث العلمي الرصين. إنها لا تحتاج إلى من يسوّقها ضمن حزمة أكاذيب لرسم خرائط جديدة على الأرض، وتأصيل ما لا أصل له إلاّ في مخيال كتبة السرديات.

 

 

Write comment (0 Comments)

مطاردة حلم جلجامش

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

مطاردة حلم جلجامش

سلسلة ( ذاكرة العراق في السوق السوداء)

عبدالسلام صبحي طـــه*

نشرت في مجلة الجديد اللندنية ( الموقع الالكتروني )، العدد 65، تاريخ النشر 1 تموز 2020

( اضغط هنا لتحميل النسخة الالكترونية من المقال  ).

 

                                                                      cover
 

هذا مقال عن الدور السلبي لبعض الأكاديميين في التشجيع على التداول غير المشروع  في تراث العراق الثقافي. ولم يأت هذا الأمر من فراغ، ولا من ظروف طبيعية، فلقد مرّ العراق بنفق خانق إبان الحصار المُهلك الذي فُرِض عليه بين أحداث الكويت عام 1991 وحتى احتلاله عام 2003، تداعت خلاله البنية التحتية للكثير مما جرى إنجازه خلال الانتعاش الاقتصادي، وخطط التنمية الواعدة في سبعينات القرن الماضي، ولم يسلم قطاع الآثار من هذه الكارثة المحققة. وكانت البداية مع أحداث عام 1991 حينما نُهبت بالكامل تسعة متاحف، وأحرِق بعضها، تلاها نبش الكثير من المواقع الأثرية في أُمهات حواضر العراق القديم، وبعض الصور التي تم تداولها لاحقاً أظهرت المواقع وكأنها عُصِفت بوابلٍ من نيازك.

ما الذي كانت تُفتش عنه عصابات الآثار في تلك المواقع؟ من خلال التقارير الصحافية واعترافات بعض أفراد تلك العصابات فإن كل قرية أو قبيلة تسكن جوار موقع أثري تعدّه ملكاً لها، لذلك ينشط بعض أفرادها في استخراج القطع الأثرية ثم بيعها إلى المهربين، وبعض المواقع الأثرية التي جرى العمل بها سابقا، تحوّل عمّالها إلى “نبّاشة”، وأسهموا في النهب، وأصبح كل واحد منهم “متخصصاً” بنوعٍ معين. ويبدو أن التركيز كان منصبّاً على القطع الثمينة (كالحلي والمعدنيات) والأختام والألواح الطينية التي عليها كتابات مسمارية، فبِحُكم الخبرة التي تجاوزت عقداً من الزمن، أصبح أفرادها يعون جيداً وجود طلب متنام من شخصٍ ما يقف منتظراً بشغف وصول أيّ كمية من تلك الألواح.

في كتابنا المشترك “الكـارثة، نهب آثار العـراق وتدميرها”، الصادر عن  المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2017، ( أضغط كتاب يتناول نكبة العراق في تراثه الثقافيهنا من فضلك ) تعرضنا إلى نكبة العراق في مُتحفِه عام 2003 وموضوع استباحة تراثه الثقافي، حينها تصدر الموضوع عناوين الأخبار ليتكشف بعدها المستور من حجم الكارثة الأكبر، ألا وهو عمليات النهب الأثري التي كانت تجري على قدمٍ وساق طوال فترة الحصار، وأصبح بالإمكان معرفة حجم تداولات القطع الأثرية المهربة إلى الغرب من خلال متابعة المبيعات في دور المزادات، وكذلك الدراسات والبحوث المنشورة عن قطعٍ تبيّن أنها سُرقت إبان الحصار، وتنبّه العالم إلى أن شبكات السرقة والتهريب والاقتناء، كانت تعمل بلا كلل في ذلك الوقت للاستحواذ على ما أمكنها من القطع العراقية، لإشباع نهمها المتراكم بسبب ندرتها في الأسواق العالمية قبيل أحداث 1991، ولنضرب مثلاً بالأرقام على موقع مدينة أدب السومرية (ويعرف حالياً بتل بسمايا قرب ناحية البدير ضمن حدود محافظة القادسية)، تشير الوثائق إلى وجود 1705 رقيم طيني (مكتشف أو مسروق) ومسجل قبل عام 1991، لكن بعد 2010 ظهر إلى السطح 1965 لوحاً آخر، والمجموعة الأخيرة متوزعة الآن بين المقتنين من حول العالم، ويثير تملكها، بلا شك، أسئلة كثيرة بسبب غياب بعثات التنقيب عن الموقع طيلة تلك المدة، كما أوردنا في الكتاب تفاصيل المقتنين في الغرب، وتملكهم للكثير من الألواح المسمارية التي ثبت أنها مسروقة ومهرّبة، كما في قضية ألواح گرشانا في جامعة كورنيل (نيويورك)، وطاسات التعاويذ الآرامية في كلية لندن الجامعية.

 

 

كتاب يتناول نكبة العراق في تراثه الثقافي

 

وبالرغم من ذلك، انهمكت بعض مراكز البحوث بنشر الدراسات عنها في الدوريات والنشرات العلمية، وأصبح الأمر من ضمن العُرف السائد والمقبول! وانسحب الأمر إلى أن حقوق الملكية الفكرية لتلك الدراسات تُسجل باسم الباحث أو الفريق المشتغل على النصوص المسروقة، بلا أدنى مراعاة لحقوق البلد الأمّ في ملكية تراثه الثقافي مادياً أو فكرياً، أي أن عملية السطو بحق العراق حصلت مرتين، في الأولى أنتُزع الأثر من رحمِ أرضِه عنوةً من دون أخذ السياق الآثاري بنظر الاعتبار، ثم هُرِب إلى مجاميع  المقتنين ومخازن الجامعات، وفي الثانية حصل سطو من نوعٍ آخر، ألا وهو الحقوق الفكرية للنص المدوّن على الرقيم المسروق كتراث غير مادي والاشتغال عليه سراً. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع العراق عمل شيء إلا بأن يسير في الطريق المُتعرج الطويل والمكلف، وإتباع لوائح الاسترداد المقدسة التي أقرّتها لِجان الثقافة والتراث الأممية برعاية ذات الدول التي تحتضن ذلك التاجر والمقتني والباحث.

 

إن المحور الذي سيتناوله هذا المقال هو تحليل دور الباحث الأكاديمي والمؤسسة الراعية له إن كانت جامعة أو متحفا، وكذلك مناقشة دور الجهة التي سمحت بنشر البحث رسمياً من دون مراعاة الضوابط القانونية والأخلاقية المتعلقة بالقطع (المسروقة!) موضوع الدراسة، مما سيسهم في النهاية برفع سعر القطع الأثرية، بشكل سيشجع و بِلا أدنى شك، على حصول شراهة في الطلب للمزيد من النهب من طرف المقتنين وبقية الأطراف المتعاونة، والتي تستحق لقب “الشبكة المريبة “، وتضم فريقاً متكاملاً، بدءاً من  اللص الحفّار والتاجر الوسيط والخبير والمتحفي والباحث الأكاديمي والمقتني وهو المستثمر المتمترس خلف فريق من خيرة الخبراء القانونيين الذين يستطيعون لَي عُنق القانون، واختلاق شتى ضروب التبريرات لغرض التغطية على نشاطات موكليهم، و النفاذ من القوانين الدولية والمحلية التي شُرِعت لغرض حماية التراث الثقافي للشعوب من التداول غير المشروع.

إذن، فالسياق الذي ينتج عن هذا التعاون المريب بين الطرفين: الأول (الباحث) الذي سيساهم في رفع سقف السعر للقطع التي تملكها الثاني( المقتني) سراً وبطرق متعرجة، واستخدم لغرض تملكها شتى أساليب التزوير والدهاء القانوني لتبرير الحيازة، والنتيجة تكون زيادة الطلب وتشجيع النبش من البلد الأم، فلولا استعداد المقتني دفع مبالغ سخية للوسيط واللص، آملاً بتعاون مع باحثً ما ليجزيه المكافأة كي يجتهد في بحثه ويرفع من قيمة القطعة الأثرية، لما تشجّعت العصابات الإجرامية على نبش المزيد من المواقع، والتي إن استفحلت، ربما ستؤسس لثقافة الفساد والمحسوبية بمرور الزمن (كانت سياسة الحكومة قبل 1991 تتمثل بدفع رواتب لشيوخ العشائر القريبين من المواقع الأثرية، من أجل تلافي أيّ تجاوزات).

نجد أن من حقنا، كعراقيين وأصحاب الحق الشرعي في الأثر المسروق ومتعلقاته، طرح أسئلة مشروعة بخصوص هذه القضية، منها، على سبيل المثال، هل حاول كلّ من الباحث والناشر الأخذ بنظر الاعتبار حقوقنا في الممتلك قبل الشروع بالدراسة؟ أغلب الظن أن الجواب سيكون بالنفي كون ملكية القطع آنذاك تعود إلى مالك مسجّل خارج العراق، يليه السؤال هل تم اعتبار مسألة التحقق اليقيني من التملك الشرعي باشتراط إبراز شهادات البيع والشراء والإخراج الكمركي…الخ، لاستيفاء الشرط الأخلاقي على الأقل، فيد الباحث ستمتد بعد قليل إلى أمةٍ غافلةٍ عن حق لها.

السؤال الآخر، والمتعلق بموضوع حقوق العراق في موروثه غير المادي، كملكية فكرية  للنصوص الأصلية المدونة على الألواح الطينية المسروقة تحديداً!، نعلم أن الباحث الذي يشتغل على ترجمة النصوص وتحليلها، يقوم بتحصين جهده ما أمكنه بما يسمّى التشريعات القانونية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، وبذلك  يقطع الطريق على أي باحث آخر قد يفكر بالاستنساخ أو الاقتباس مستقبلاً من دون الحصول على موافقة رسمية خطية منه أو من الجهة الناشرة، ما يمنحه الحق بمقاضاته قانونياً، حتى لو كان الباحث الآخر هو إحدى المؤسسات العراقية (المالكة الشرعية للرقيم ونصه في نهاية المطاف!)، لكن ماذا عن النص الأصلي المدون على رقيم تحوم حول تملكه الشبهات القانونية؟ من يا تُرى له حق الادعاء بتملك حقوقه الفكرية كممتلك ثقافي؟

الجواب سيكون، بلا شك، مؤلماً، فبحسب التشريعات النافذة حالياً، فللعراق الحق باستعادة وتملك اللوح المسروق كممتلك ثقافي مادي. لكن النص نفسه، كقيمة فكرية أو ثقافية  غير مادية (Intangible heritage)، لا يبدو أنه سيتبع ملكية اللوح، بل هو من حق الباحث الذي اشتغل عليه، بغض النظر إن كان ذلك قد جرى في النور أو العتمة! فبحسب القوانين النافذة حالياً، فإن استعادة العراق لممتلكه الثقافي (المادي) لا علاقة لها باستعادة الجزء المتعلق بالممتلك الفكري غير المادي (أي النص الاصلي والدراسة المنشورة عنه).

محلياً، فإن ما أشار إليه  قانون الآثار العراقي لسنة 2002، والنافذ حالياً، يغطي فقط  الممتلك الثقافي كأثر مادي، أي بعبارة أخرى (الطين والحجر)، أما دولياً فموضوع عائدية الملكية الفكرية للأثر، لن نجد له أيّ ذكر، بل مسكوت عنه، فهو في التشريعات الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي للشعوب (لاهاي 1954 والبروتوكول الثاني في 1999، اليونسكو 1970، روما  1995)، أو تلك  الصادرة عن مجلس الأمن والمتعلقة بحماية التراث الثقافي العراقي (661 عام 1990، و 1483 عام 2003 ، 2170 عام 2014 )، وإذا ما أحصينا عدد الدراسات والبحوث المنشورة منذ 1990 حتى يومنا هذا لقطع عراقية مسروقة مشمولة بكافة التشريعات أعلاه، سنجد ما قد يعبأ رفوف مكتبات برمتها.

هوبي لوبي ومتحف الكتاب المقدس

من اليسار ستيف غرين (متحف الكتاب المقدس في واشنطن)، القس غابريل نداف من الطائفة الأرثودوكسية في إسرائيل، يوئيل ايدلشتاين الناطق باسم الكنيست الإسرائيلي، اماندا وايس مديرة متحف أرض التوراة في القدس المحتلة، 2014 .
من اليسار ستيف غرين (متحف الكتاب المقدس في واشنطن)، القس غابريل نداف من الطائفة الأرثودوكسية في إسرائيل، يوئيل ايدلشتاين الناطق باسم الكنيست الإسرائيلي، اماندا وايس مديرة متحف أرض التوراة في القدس المحتلة، 2014.

تعود ملكية سلسلة متاجر هوبي لوبي إلى عائلة ملياردير أميركي اسمه ديفيد غرين، وهو من متعصبي الطائفة الإنجيلية، وهو ربما ما دفع العائلة إلى تأسيس متحف الكتاب المقدس في مدينة واشنطن عام 2010، ضمت محتوياته ما يربو على أربعين ألف قطعة أثرية. كان افتتاح المتحف عام 2017، وهو العام ذاته الذي تفجرت فيه الفضيحة المدوية المتعلقة بالقطع الأثرية العراقية التي شكلت جزءًا مهماً من مقتنياتها، والتي ثبُت بطلان تملكها رسميا من طرف المتحف، وأعيدت النسبة الأكبر من تلك القطع إلى العراق بين عامي 2018 و2020 بقرار من الحكومة الاميركية.

(ملاحظة: تم تفصيل الموضوع في مقال سابق للكاتب بصحيفة “العرب” اللندنية، عدد 2 أيلول 2018).( أضغط هنا من فضلك)

دُرِست  مجموعة  ألواح هوبي لوبي المسمارية المستردة للعراق، والخاصة بأرشيف “أري ساگرگ”، وهو اسم لموقع أدراي سومري بين عامي 2012 و2016، و نُشرت الدراسة الخاصة بها عام 2019 من طرف جامعة كورنيل في نيويورك، واشتملت على 2078 نصاً مسمارياً. ومن نافل القول أن نذكر أنه قُبيل عام 2003 لم تُعرف أيّ ألواح مسمارية مكتشفة في هذا الموقع، لكن بعد ذلك التاريخ  تبين أن ما مجموعه ثلاثة آلاف لوح مسماري تقريباً تنقلت بين مجاميع الاقتناء الخاصة والمتاحف حول العالم، ومن شبه المؤكد أن جميعها تحوم حول تملّكها الريبة، إذ لا يزال الموقع الأثري لمدينة أري ساگرگ غير معروف (أشتهر إعلاميا باسم المدينة الغامضة) وهو بلا تنقيبات مسجلة رسمياً لدى الأوساط الآثارية العراقية.

وتزامناً مع نشر تلك الدراسة، وضعت السلطات الأميركية اليد على ما سيشكّل فضيحة جديدة لمتحف الكتاب المقدس، إذ تبين شراء مجموعة هوبي لوبي عام 2014  للوح مسماري، أصطُلح عليه في وسائل الإعلام بـ”لوح حلم جلجامش”، وقد استمرت التحقيقات في الموضوع، واستدعيت البروفسورة إليزابيت ستون من جامعة ستوني بروك في نيويورك للإدلاء بشهادتها حوله، حتى تداولت وكالات الأنباء في شهر مايو/أيار 2020 خبراً يفيد بصدور أمر قضائي من مكتب المدعي العام الأميركي بحق متحف الكتاب المقدّس بمصادرة اللوح وإعادته إلى العراق، وذلك لثبوت عدم صحة وثائق تملّكه بسبب تزويرها، كما سنفصل في الفقرة التالية من المقال.

وفي شهر مايو/أيار من عام 2020، بادر متحف الكتاب المقدّس إلى التصريح برغبته في إعادة قطع أثرية أخرى من مجاميعه إلى كل من العراق ومصر، وتبلغ حصة العراق منها نحو 6500 قطعة، وأبدى المُتحف، إضافةً إلى ذلك، رغبته في التعاون مع الجهات العراقية ذات العلاقة، وتقديم المساعدة التقنية لهيئة الآثار والمُتحف العراقي في مجالات التوثيق والأرشفة والدراسة والنشر.

مطاردة حلم جلجامش

كان لوح حلم جلجامش، في الأصل، حبيس شقة في لندن تعود ملكيتها إلى تاجر أنتيكات أردني الأصل (توفي عام 2001) (يُنظر كتابنا “الكارثة…”، ص 192)، وهي الموضع الذي جرى فيه شراء اللوح الطيني من ضمن قطع أخرى من نجله. كان ذلك عام 2003، وقد اشتراها منه تاجر أنتيكات صحبة خبير آثار، وبعد سلسلة تداولات للوح بين الوسطاء، أُرسل في النهاية إلى جامعة برينستون الأميركية وأبدى البروفسور آندرو جورج (أستاذ اللغات القديمة من جامعة SOAS في لندن، وزميل الأكاديمية البريطانية العريقة) استعداده لترجمته عام 2005، وهو ما حصل ونُشرت الدراسة عام 2007 في الدورية الفرنسية!

Revue d’Assyriologie et d’archéologie orientale,) (Vol. 101 (2007), pp. 59-80

(يرقى اللوح إلى الحقبة البابلية الوسيطة حوالي 1400 ق.م، والجديد في نص اللوح هو اجتهاد الباحث بإحالة أبطال الملحمة رمزياً إلى آلهة في هذا النص، فجلجامش هو إله القمر سين وإنكيدو هو إله الماء والحكم إنكي ومدينة أوروك تحل محلها أور.. الخ ).

 

في سبتمبر/ أيلول 2007، أُدرج اللوح في منشور مصوَّر بغية تسويقه من قبل الكتبي وتاجر الانتيكات مايكل شارب من ولاية كاليفورنيا وأعطي الرقم 53 في القائمة الأولى من المنشور، مع إشارة إلى الدراسة أعلاه، وبعد سلسلة عمليات بيع وشراء، يقوم مزاد كريستي الشهير ببيع القطعة عام 2014 في صفقة خاصة من دون مزايدة بمبلغ مليون وستمائة وأربعة وتسعين ألف دولار إلى متحف الكتاب المقدس في واشنطن. شرعت السلطات الأميركية بالتحقيق مع المتحف عام 2019، وصدر القرار بمصادرته وإعادته لمالكه الشرعي (العراق) في مايو/أيار 2020.

البروفسور آندرو جورج استهل دراسته بالتصريح أن مالك اللوح السابق (عام 2007) قد سمح له بدراسة اللوح ولكنه لا يود التعريف بنفسه، وحين سُئل مؤخرا بعد تفجر الفضيحة في الإعلام، صرح بالقول، وبكل ثقة، إنه يفترض دوماً حسن النية ولا يفكر بما لا يراه، فقد تعامل مع مالك بدا له حسن السيرة ولوح طيني عليه نص مهم وفريد، وكان لا بدّ له من دراسته ونشره تعميما للفائدة، ولا يشكّل كونه مسروقا من عدمه عائقا حقيقيا لمن يود أن يشتغل وينفع الآخرين !

تنهمك إدارة هوبي لوبي هذه الأيام بمقاضاة مزاد كريستي، وهذا الأخير يعدو خلف التاجر الذي باعه القطعة، وتنتظر السفارة العراقية اللوح من السلطات الأميركية لإعادته إلى مخازن المتحف العراقي، فالكثير من المستردات، هي في الحقيقة محض متابعات وملاحقات قانونية تحصل خارج العراق وربما من دون علم حكوماته، ليجري إشعارها عبر سفاراتها بالقدوم واستلام قطع أثرية مصادرة !

ما العمل؟

متحف الكتاب المقدس - واشنطن                                                                              متحف الكتاب المقدس - واشنطن

إن العرض الذي تقدم به متحف الكتاب المقدس مؤخرا يمكن اعتباره بادرة حسن نية، ولو على مضض، ولا شك في أن عروضاً كهذه، قد تبدو سخية في ظاهرها، لا بد أن تكون لها اشتراطات محددة بالمقابل، أهمها ربما تتعلق بتنازل العراق عن حقه في المتابعات القانونية (ما عدا الباحث بالطبع بسبب ما تقدم من توضيح).

نعتقد أن الحل الأكثر إنصافا للعراق، في هذا الخصوص، هو أن يكون تنازله عن شرط المقاضاة القانونية مقابل استعادة الأثر المسروق، مضافاً إليه حق تملك، أو مشاركة الحقوق الفكرية للدراسات المنشورة عن النصوص المنقوشة على قطع ثبتت سرقتها، بل واشتراط أن يجري نشر جميع هذه الدراسات (وحتى  بأثر رجعي إن أمكن قانونياً، كجزء من التسوية المقترحة واللاحقة التي تنتظرها إجراءات) في مجلة سومر العراقية، وأن تكون شريكا مع أيّ من الجهات التي تبنت نشر البحوث، مع اشتراط إشراك باحثين عراقيين من أصحاب الاختصاص في النشر والاتفاق على توقيت للنشر، وإلا فالشرط الجزائي أن تُرفع دعاوى قضائية تشمل الجميع لسحب كل ما خص القطع وما نشر عنها ورقياً أو إلكترونيا، مع تفهمنا للعراقيل والصعوبات التي ستواجه أيّ خطوة من هذا النوع.

الخطوة التالية تكون بإصدار تعديل أو تشريع يتعلق بتثبيت حق العراق في تراثه الفكري في قانون الآثار، وتغطية كافة ما ورد في أعلاه تحت بند واضح يحمي حقوق البلاد، ويوفر غطاء قانونياً يستطيع العراق من خلاله مقاضاة الجميع (بغض النظر عن طبيعة التشريعات النافذة في البلدان الأخرى)، لأن غيابه سيشجع على استمرار نهم الآخرين في الخارج وجشعهم لتملك المزيد بسبب علمهم بضعف أو عدم قدرة المسؤولين عن الملف الآثاري على استصدار تشريع يخص هذه الفقرة السائبة، التي ستمنح العراق الحق بمقاضاة كل مؤسسة وجامعة ومركز بحث وباحث ومقتن في موضوع ادّعائها حق تملك الحقوق الفكرية لنصوص تخص قطع أثرية مسروقة تثبتت عائديتها للعراق، وجرى غض النظر (بحسن نية أو غيابها) عن عائديتها الشرعية خلال إجراء الدراسة (لا بد من الإشارة إلى سابقة قانونية مهمة تمثلت بالقضية المتعلقة باتهام وتجريم البروفسور الإيطالي ج. بيتيناتو المختص باللغات القديمة، واتهام شرطة الكاربنيري الإيطالية له بدراسته ونشره لنصوص مسمارية من قطع أثرية عراقية ثبت بطلان تملكها كونها مسروقة، يمكن تضمين ذلك في اي تعديل قادم للقانون الحالي).

في مايو/أيار 2019، نشرت جريدة بين نهرين البغدادية مقالا للكاتب بعنوان “عن متحف نابو في لبنان ونزيف الذاكرة العراقية”( أضغط هنا من فضلك ) تناول فيه المجموعة المتحفية المسمارية المعروضة في ذلك المتحف، وفيها مسألة لا تبتعد كثيرا عن وقائع متحف الكتاب المقدس في واشنطن، وهل يا ترى هي من محاسن الصدف أن الألواح المسمارية موضوع المقال هي من ذات الموقع القديم “أري ساگرگ”، وقد قام بنشر الدراسة عنها عالم المسماريات الأميركي ديفيد أوون المعروف بتعاملاته المريبة ودراساته التي تشجع سماسرة تراث الشعوب على اقتناء المزيد من هذه القطع، غير آبهٍ بموضوع الأبعاد القانونية والأخلاقية لنشاطاته، وهو لا يعمل وحده، بل تقف خلفه مؤسسة أكاديمية عريقة هي جامعة كورنيل في نيويورك (يُنظر كتابنا “الكارثة…”، ص 171)، وزمر من أقحاح المقتنين المتنفذين سياسياً في الحكومات الأميركية المتعاقبة. ومن الجدير بالذكر أن متحف نابو طرح عبر أحد مالكيه إمكانية المساومة بإعادة القطع العراقية، وحاول تقديم عرض مشروط للتفاهمات (بلغت الوقاحة ببعض مقتني المسروقات إلى حد عرض اتفاقيات مشروطة لإعادة قطع ثبُت أنها منهوبة على يد لصوص).

لا بدّ من استثمار قضية لوح “حلم جلجامش” جيداً، كونها تمثل حالة مثالية لما ندعوه بالإنكليزية “Text Book Example” من جهة الأطراف المشتركة فيها، لغرض فرض تشريعات حازمة كما أسلفنا، وفتح قنوات تعاون مع المؤسسات القانونية والأكاديمية الدولية ذات التوجه النزيه، والشخصيات النبيلة التي تضامنت مع حقوق العراق في إرثه من أجل الشروع في تجريم ومعاقبة، بل ومحاولة سحب حقوق أيّ ملكية فكرية لمن يتعامل مع تراث العراق الثقافي بطريقة بعيدة عن الأعراف الأخلاقية، وتنافي روح البحث العلمي. ولا بدّ من تذكّر المواقف الصلبة الداعمة لحقوق العراق لكثير من الباحثين لثبات موقفهم الأخلاقي بوجه الشيطان ومحاميه، وقناعاتهم بأن حقوق الشعوب في موروثها الثقافي، مادياً أكان أم فكرياً لا تسقط بالتقادم.

 

 

تصريح من رئيس مجلس ادارة متاجر هوبي لوبي و متحف الكتاب المقدس

التاريخ 27 كانون الثاني 2021

أضغط هنا من فضلك لمطالعة التصريح من موقع المتحف الرسمي )

Update on Iraqi and Egyptian Items

Washington – Museum of the Bible’s Chairman of the Board, Steve Green, makes the following statement on Iraqi and Egyptian Items:

In March 2020, I announced that Museum of the Bible curators had quietly and painstakingly researched the provenance of the many thousands of items in the collection of biblical manuscripts and artifacts that I began acquiring in 2009.  I also announced the research revealed several thousand items that likely originated from Iraq and Egypt, but for which there was insufficient reliable provenance information, and those items would be returned to their likely countries of origin.

On May 19, 2020, I executed and delivered a legal document transferring title of 8,106 clay objects to the Republic of Iraq.  On May 22, 2020, I also executed and delivered a legal document transferring title of approximately 5,000 papyri fragments and other items to the Arab Republic of Egypt.  On June 18, 2020, all of these items were delivered to separate independent, third-party fine art storage facilities for the care, custody, control, and benefit of Iraq and Egypt respectively. 

Over the next several months, we continued the discussions with various Iraqi and Egyptian officials that first began in late 2017, to establish mutually beneficial relationships with The Iraq Museum in Bagdad and The Coptic Museum in Cairo.  Those discussions involved technical assistance programs, potential loans, and exhibitions that would allow our patrons to learn more about the cultural history of each country.  During the discussions with Iraqi officials, we learned the 3,800 clay objects that the U.S. Government repatriated from our collection to the Republic of Iraq in May 2018 were still in storage at the Iraq Embassy in Washington D.C.  We offered to help coordinate and pay for the shipment of those 3,800 clay objects along with the 8,106 clay objects held in storage for Iraq to The Iraq Museum in Bagdad.  We made a similar offer to Egypt.   

While our ongoing discussions with Iraqi and Egyptian officials have been cordial and promising, we were not able to finalize the desired agreements nor resolve the logistics of shipping the items to Iraq and Egypt.  As a result, we enlisted the help of U.S. government officials to assist with the delivery of the items.   

On January 7, 2021, we transferred control of the fine art storage facility that housed the 5,000 Egyptian items to the U.S. government as part of a voluntary administrative process.  We understand the U.S. government has now delivered the papyri to Egyptian officials.  On January 27, 2021, we initiated the shipment of the 8,106 clay objects to The Iraq Museum in Bagdad.  We appreciate the assistance and professionalism of the U.S. government officials in helping with the logistics of these repatriations. 

Going forward, we will continue to look for ways to partner with The Iraq Museum, The Coptic Museum, and other institutions, to provide assistance with preserving and celebrating the rich cultural histories of those countries and many others.

Steve Green
Chairman of the Board
Museum of the Bible

 

 

Screenshot 2021 03 28 Update on Iraqi and Egyptian Items Museum of the Bible 2

Write comment (1 Comment)

سلسلة حلقات برنامج حضارات العراق ( قناة التغيير )

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

اعداد وتقديم : د. محمد مظفر الادهمي

الحلقة (1) - جذور الحضارة في العراق


 

 

الحلقة (2) - الكتابة والتدوين


 

الحلقة (3) - الملاحم والاساطير


 

الحلقة (4) - الحرية والقانون في العراق القديم


 

الحلقة (5 )النحت الاشوري


 

الحلقة (6  ) العمارة والبناء


 

الحلقة (7 )  كنز اور الذهبي


 

الحلقة (8) كنوز نمرود

 


 

الحلقة (9) كيف سرق الالمان بوابة عشتار من بابل

 


 

الحلقة (10) المرأة العراقية في بلاد الرافدين

 


 

الحلقة (11) فن النحت العراقي القديم

 


 

Write comment (0 Comments)

Collapse and Rebirth of Cultural Heritage - صدور كتاب جديد يتعلق بالتراث الثقافي العراقي والسوري

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

متابعات العراق في التاريخ

#سلام طه

 

عن دار Peter Lang للنشر ( سويسرا) ، صدر الكتاب الموسوم :
Collapse and Rebirth of Cultural Heritage
The Case of Syria and Iraq

 

cover Collapse and Rebirth of Cultural Heritage the Cae of Syria and Iraq Peter Lang New York 2020

 

الكتاب اعده البروفسور Lorenzo Kamel ( الاستاذ في قسم التاريخ / جامعة تورينو - أيطاليا )،

و يتضمن 6 فصول يتحرى فيها الدمار الذي حصل بحق التراث الثقافي لكل من سوريا و العراق ، والسبل لاعادة ترميم ما تم تدميره وسبل ايقاف النزيف الحاصل بحقه جراء الحروب و الاضطرابات المختلفة التي عصفت بالبلدين ( العراق منذ 1991 و سوريا 2011 ).
"دور المؤسسات الاكاديمية في التشجيع على التداول غير المشروع بالقطع الاثرية ، الضرر بحق التراث الثقافي العراقي ".
عنوان الفصل الخاص بالباحث عبدالسلام صبحي طه# وهو موضوع تناول فيه خمسة حالات مثبتة ومسجلة ثبت فيها عائدية الاثر الى العراق وتسجيل الجرم، وعند التحري و جدت شبكة من متعاونين مسؤولين بشكل متضامن مع السارق و اخطرهم هو الباحث و الدراس الذي تجاوز كل الاعراف و الاخلاقيات و تعامل بقطع اثرية يعلم جيدا ان حائزها لا يمتلك وثائق اصولية ( شهادات تنقيب، موافقات تصدير و ادخال كمركي) ، و بالنهاية برر فعلته برغبته فعل الخير المطلق و خدمة البشرية بالعمل على ترجمة وتحليل تلك القطع قبيل اختفائها من دون الاخذ بنظر الاعتبار التشريعات المحلية لبلد المنبع ( العراق ) و المصب ( دول الغرب ) والدولية ( قرارات مجلس الامن الخاصة بحماية التراث الثقافي العراقي و تشريعات اليونسكو ).

الكتاب متوفر من خلال الرابط التالي ( للشراء ):
https://www.peterlang.com/view/title/72953

للمراسلة:
Peter Lang International Academic Publishers
Wabernstrasse 40

CH-3007 Bern

 

5contents

Write comment (0 Comments)

العمارة وجنّي المكان لدى معآذ الآلوسي

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشرت في مجلة تاتو(  النسخة الالكترونية  - أضغط هنا من فضلك)  - العدد شباط  2020

لتنزيل المقال ( أضغط هنا من فضلك )

 

بوستر المحاضرة

 

عبدالسلام صبحي طه

دُعيت قبل أسابيع لحضور محاضرة للمعمار معاذ الآلوسي قدمها في جامعة الزيتونة، بالعاصمة الأردنية عمّان، تحت عنوان (العمارة والهوية). العم الآلوسي بالطبع غني عن التعريف فهو أحد شيوخ العمارة البغدادية، كان إلقاؤه كلقياه عفوياً لذيذاً وهو يسترسل بفيوضه الممتعة (يدعوها حكايا ودردشة من دون تكلّف لتسهيل التقبل والتواصل مع الحاضرين).
انطوى موضوع محاضرته على أهمية عظيمة كونه يمسّ عصب الهوية وتشكيلاتها في عالم يزخر بالمدارس الفكرية والفلسفية المتقاطعة التي تعتبر العمارة إحدى تمظهراتها. وسأدون انطباعاتي عن المحاضرة في شقين، أولهما مثال عن عمارة عراقية محلية، ما لها وعليها، وثانيهما سرد لأمثلة عن عمارة معولمة بلا ملامح أو ارتباط بموروث.


العمارة المحلية


1- جنّي المكان: لكل مكان خصوصية نابعة من الموروث، هي أشبه بتيار مستمر غير مرئي من طاقة، يدعوها الآلوسي بـ"جني المكان المحلي"، هو ما يفتش عنه دوماً، ويحاول محاورته والعمل معه، كشريك أصيل في مشاريعه.
ولبغداد وفرة من الجان توازي عدد مناطقها ومحلاتها، فهناك جنّي رصافي وآخر كرخي، وفي داخل كل محلة ستتعثر بجنّي، له رائحة مميزة تشبه رائحة الطبخ وأنت تنتقل من دربونة إلى أخرى. ومن الجدير بالذكر أن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار قد استنبط مصطلحاً مقارباً دعاه "روح المكان".


2- نقطة الارتكاز: هي السُرّة (الروحية - الاجتماعية) للبيت والعائلة، التي يتجمع حولها كل ما هو حي كدفء الشمس وضوء القمر والشجر والبشر والعصافير... إنها فضاء تتنفس فيه الحياة وسط بيئة حارة ومغبرة، ورد إبداعي لإنسان هذه الأرض على البيئة، ومحاولاته التناغم معها بطريقة فطرية وعبقرية في الوقت ذاته، حسب رأي كاتب المقال. إن لفكرة المرتكز ربما جذوراً تاريخيةً موغلةً في القدم، متغلغلةً في روح هذا الشعب، تمتد إلى عصر رواد الحضارة العراقية القديمة، ففي أوروك (الوركاء) وتصميمها الفطري (حوالي 3500 ق. م) معبدان أحدهما للإله آنو والآخر لإينانا، ومن حولهما شُيّدت الدور، حيث تتجه واجهاتها صوب المعبد، فكانت فكرة الانبثاق الأول (للسُرة أو القبلة)، وهي مرتكز المدينة.
يتفاخر الملك كلكامش بأنه نفّذ مشيئة الآلهة وسوّر أوروك وجعل لها بوابات، وقد يكون للموضوع، إذاً، بعد روحي متأصل قديماً، حيث كل الموجودات تعيش وتطوف حول نقطة ارتكاز مقدسة، وما كان يحصل خارج الدار (ربما !) إنسلّ الداخل، حيث عثر ليونارد وولي على مخطط دور سكنية ترقى إلى عصر أور الثالثة (حوالي 1900 ق. م)، لعلها الأصل في فكرة الحوش العراقي المرتكز على فكرة الانفتاح نحو السماء، وخلق فضاء معيشة مسوّر.


3- التكرار: بلغت هندسة العمارة في المدرسة المستنصرية ببغداد أوجها، وهي ترجمة حية مكثفة لأفكار المعمار العراقي العربي، حيث تلاحظ في المبنى تجسيداً للكثير من التفاصيل، التي ربما تمر عليها من دون أن تستوقفك. تدهشك حركة معمارية ، لا أروع منها، هي التكرار في الأقواس والشبابيك والمقرنصات، ويجعلك الايقاع تدور كالعارف في حلقة الصوفية. هذه فلسفة محسوبة وليست محض حل إنشائي أو تفصيل تزويقي. لدى كاتب المقال مقاربة لموضوعة التكرار في الشعر العراقي القديم، حيث يتم تكرار الكلمات والجمل، وربما يبدو ذلك مملاً لقارئ اليوم، لكنه كان ثابتاً فكرياً موغلاً في القدم تغلغل وتمظهر بشتى صنوف الإبداع، وربما كان له نصيب في العمارة.

 

بغداد

( الصورة 1 : مخطط مدينة بغداد المدورة، بناية المدرسة المستنصرية ومخططاتها، قصر الاخيضر).

 

 

مستشفى الوزيرية

4- الطين: جُبلت حضارة الإنسان العراقي بشكل متفرد من الطين، الذي تشكل بعبقريته في مظاهر مختلفة، من رقيم المعرفة المسماري، الذي قد لا يتجاوز حجمه علبةالكبريت إلى الطابوقة (الآجرة)، وهي الخلية الإنشائية التي شاد بها معابده ومسكنه وسوّر مدينته.
الشيخ الآلوسي يحترم الطابوق، يتحسسه، يشمه، يثمل برائحته ويفيض به إبداعاً، أفاريز ودلكات خارجيةً (أعمدة مغلفة بالطابوق)، وسطوحاً و بيوتاً واطئة الكلفة، ومنها بيته في الحي العربي بمنصور بغداد، تجربة لمسكن مثالي قليل التكلفة من مواد وتقنية بناء محلية، مادته من طين وماء دجلة، السقوف معقودة بأيدي أسطوات ورثوا شرف المهنة أباً عن جد، والقوس البغدادي المتغلغل وريث التاريخ يرفرف فوق الواجهة كشراع دجلة.

(الصورة 2  المقابلة : بناية مستشفى الآلوسي في الوزيرية - بغداد).

 

 

 

 

 

5- محاولة لفهم ظاهرة ترييف المكان: في محاولة لفهم كارثة رثاثة الذوق الحالي في العمارة المحلية، يقف الآلوسي على تجربة حية قام بها عام 1986، خلال شروعه في مشروع تطوير إحدى الاحياء السكنية الشعبية ببغداد، فقد أعطى علب أصباغ للسكان لطلاء واجهات دورهم، فاختار الكثير منهم اللون الأحمر، لكنهم نفذوه بتشوش بصري واضح ( وهذه ظاهرة لها دوافعها الاجتماعية و الاقتصادية بالطبع)، لكننا نرى صداها قد تكرر في حملة تغليف واجهات البنايات التجارية باللون الأحمر بشكل رث بعد غزو العراق في 2003. كما ذكر، في الوقت ذاته، اورد شاهد حي مشابه من مدينة إشبيلية الأندلسية في جنوب إسبانيا، يتمثل باستخدام الطلاء الأحمر على واجهات بعض الأبنية، لكن بطريقة أكثر أناقةً و تناغماً مع البيئة.

 

مدينة الثورة في بغداد 1986

( الصورة 3 : حي شعبي في بغداد)

 

المجمع الطبي في النعمانية

( الصورة 4 : واجهة بناية حديثة في النعمانية مغلفة باللون الاحمر).


مدينة اشبيلية

( الصورة 5 : واجهة بناية في مدينة اشبيلية وتوظيف اللون الاحمر).

 

 6 - شارع حيفا: هل كان نصف نجاح أم نصف فشل؟
التزم الآلوسي بالمشروع لا لرغبته في تدمير النسيج السكاني لمنطقة عشقها، وله فيها جذور ممتدة، بل حاول ما أمكنه تقليل الخسائر، فالمشروع كان سينفذ بيده أوبأيدي سواه. كانت الفكرة تقوم على تقليل الارتفاع البشع للأبنية (العمارات الفنلندية البيضاء)، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستيعاب السكاني، وقد وجه بعضهم نقداً للمشروع زاعماً أن كفتي النجاح والفشل غير متكافئتين، غير أن الآلوسي اعتبر ذلك المشروع أحد أهم مشاريعه.

 

تأملات وآراء في العمارة المعولمة


1- زها حديد:
عمارتها تحلق بأجنحة من خيال، تستشعرك وكأنها لا تريد أن تحط بك على أرض، خطوط كومبيوترية ممطوطة لا رادع لها سوى المخيال، فالهوية في العمارة قد لا تكون من ثوابتها. ففي قبرص نُفِذ لها مشروع لجسر بإضاءة مبهرة في أيامه الأولى (فايبر أوبتك)، وقد وجه الآلوسي الكثير من النقد لهذا المشروع رغم معارضة القبارصة لتحفظاته. زها حديد أصبحت الآن ظاهرةً بين المعماريين الشبّان، الجميع يستسهل مداعبة خياله على الكومبيوتر.


2- مدن الصدفة:
دبي وأخواتها، الممولة من الوقود الأحفوري، يعتبرها الآلوسي مدناً بلا حشمة، ولا اعتبار للثوابت، إنها محض خوازيق كونكريتية بتكوينات من زجاج وفولاذ منبثقة من التراب باتجاه الفضاء، لا تصلح لتقديم وجبة معرفية حضارية، كل شيء مستورد حتى الإنسان الذي رفع قواعد تلك الأبراج الفارهة التي يجري تسويقها بإحضار نجوم عالميين للقفز من أعلاها، أو حتى استضافة مباراة تنس على سطوح فنادقها.


3- قلق الإغريق:
قبرص جزيرة إغريقية لا علاقة لها بالإغريق، تشبه طاولة مزات ملونة بما لذ وطاب، حيث ينهال المعماريون على الأرض العتيقة من كل حدب وصوب، منذ برلين الشيوعية وانتهاءً بزمن العمارة الكومبيوترية، هناك تشتتٌ بصريٌ منفر يصفق له سكان الجزيرة بدهشة مثيرة للشفقة.


4- الكونغو:
حيث عمل الآلوسي ردحاً من الزمن، وفشل في التحاور مع جني ذلك المكان.
ربما كان أفريقياً فرّ بذيله وهو لا يلوي على شيء جراء المجاعات والحروب. هناك عمارة كولونيالية، لكنها محض منجز مستورد لا علاقة له بالبيئة المحلية. صمم الآلوسي في تلك البلاد، على مضض، قصراً لحاكمها وآخر لوالدته من دون الاستعانة بالجان.


في نهاية المحاضرة فُتِح باب الحوار مع الحضور، وكانت مشاركات الطلبة خجِلة، مما دفع الاستاذ الآلوسي إلى أن يختمه بكلمة، خصّ بها الجيل الناشئ، أكد فيها أن "معمار اليوم يحتاج إلى أن يعي أنه فنان مُجيد رائد في مجال تخصصه، لا مجرد رسام على جهاز الكتروني، وأسير رغبات رب العمل. يحتاج هذا الجيل إلى أن يثقف نفسه ويعي تاريخه وتراثه، ويسافر كثيراً ما أمكنه ذلك. العمارة إنسكلوبيديا تحتاج إلى الكثير من البحث المعرفي".
.

المكعب دار معاذ في بغداد

( الصورة 6 : فناء " المكعب " دار معاذ الالوسي في الصليخ - بغداد)


معاذ الآلوسي، وقد تجاوز العقد الثامن من العمر، ما زال يحتفظ بروح شابة متفردة، ويتفاخر بتبغدده، وعشقه للحياة والحسناوات، بمسكنه المكعب على ضفة دجلة، والذي إنسل خلسةً إلى القائمة الطويلة للبوكّر من خلال رواية للأديبة عالية ممدوح تحمل عنوان (التانكي).

كنت طوال صحبتي له، في زيارته الأخيرة إلى عمان، أحاول عقد مقارنات بينه وبين أبطال الإغريق، لعلمي بولعه بآلهتهم وشخوص أساطيرهم، من عوليس المتغرب والمفتون بإيثاكا البعيدة إلى زوربا الفيلسوف بروحه الطفلة، وهو يفيض دهشةً، ويرقص على أنغام سنوات العمر. تحدثنا طويلاً عن السينما وآلهتها، و كيف استوقفه فديريكو فلليني في رائعته (لاسترادا)، التي ربما ألهمته عنوان كتابه الثالث (ذرُومُوس ويعني ترجمةً عن اليونانية الطريق أو الدرب) وهو الكتاب الذي خصصه لحكاية مهنته كمعمار، في نهاية الرحلة وعدني أن نلتقي مجدداً في زيارته المرتقبة عند حلول الربيع القادم، تمعنت طويلاً في قسمات وجهه المستدير الذي خطته السنون، فإذا بي أطالع فيه خارطة مدينتي الحبيبة بغداد.

Write comment (0 Comments)

وقائع أقدم ثورة في بلاد سومر

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشرت في صحيفة المدى البغدادية ( العدد  - 4554 /لزيارة موقع الصحيفة  أضغط هنا من فضلك  ) - 25 تشرين الثاني 2019

لتحميل نسخة الكترونية من المقال ( أضغط هنا من فضلك).

 

عبد السلام صبحي طه


سقطت الامبراطورية الأكدية عام 2159 ق.م تحت وطأة تغير الظروف المناخية والجفاف والاضطرابات التي عصفت بالبلاد في السنوات الاخيرة من حكم رجل أكد القوي الامبرطور نرام سن ( واسمه يعني محبوب إله القمر سن، 2254- 2218 ق.م)، والتي تم تبريرها لاحقا على أنها غضب الالهة بحق هذا الملك المتجبر، والذي جاهر بإلوهيته، وأعتمر التاج المقرّن الشهير بظهوره به في حضرة الإلهة عشتار في الاختام والمنحوتات مما يُعد نوعاً من تطاول على الأعراف السائدة. إستمر تدهور الاوضاع الاقتصادية والسياسية إثر ذلك في بلاد النهرين، وحاول خلفاؤه، ومنهم إبنه شار گلي شري (وهو لقب باللغة الاكدية و يعني رأس او ملك الملوك، 2223- 2198 ق.م) إنقاذ البلاد من دون جدوى، وأنتهى الأمر برمته بأن دخلت البلاد أقوام أجنبية تُدعى بالگوتيين(1)، وهم من سكان المناطق الجبلية (جبال زاگروس) المتاخمة لحدود العراق الشرقية مع ايران الحالية، هؤلاء الاقوام كانوا متوحشين بحسب المدونات التي وردتنا منذ عهد العاهل نارام سن(2)، لم يُخلف هؤلاء المحتلين اي وثائق مدونة بلغتهم، ولا نعرف عنهم سوى اسماء لحكامهم (وعددهم واحد وعشرون ملكاً)، حكموا لمدة اربع وتسعين سنة واربعين يوما (2210– 2116 ق.م)(3) . وقد وردت في ثبت اسماء الملوك السومريين قائمة باسمائهم، وغلبت على اسماء المتأخرين منهم الصيغ الاكدية، دلالة على اندماجهم الثقافي مع سكان البلاد، وهو ما حصل لاحقاً مع جميع المحتلين ، حيث تذوب ثقافتهم الاصلية في ثقافة أهل العراق القدماء، أما موطنهم الاصلي فربما يكون الى الجنوب من منطقة شهرزور الحالية (والتي هي موطن اقوام اخرى تدعى اللولوبيين، والاسم من الاصل " لو" وتعني انسان بدائي او متوحش)، والتي شملت منطقة الزاب الاسفل. وورد ذِكر هذه الاقوام في احدى وثائق مملكة ماري (تل الحريري بالقرب من دير الزور الحالية على الفرات في سوريا) بالاسم (قوتو) في مطلع الالف الثاني ق.م. ومن الجدير بالذكر ان اسم الجبل الذي استقرت عليه سفينة بطل الطوفان البابلي ( اوتو نفشتم ) في ملحمة گلگامش،هو (جبل نصير وورد في بعض الدراسات بالاسم جبل گوتيم)، وقد أشاعوا الرعب في بلاد سومر وأكد برمتها، وخربوا مدنها وعم الخوف والذعر بين السكان، ولكنهم على ما يبدو قد إنسحبوا في النهاية الى شمال العراق و اختاروا مدينة آرابخا ( كركوك الحالية ) مركزاً لهم حتى تم طردهم منها(4) .
بعد هذا التقديم لتلك الفترة المظلمة من تاريخ بلاد النهرين نصل الى بوابات عصر مشرق جديد .
ففي أواخر حكم الگوتيين، اخذت دويلات المدن السومرية القديمة بالثورة على المتسلطين من حكام گوتيم واخرهم كان يدعى (تريقان) الذي حكم اربعون يوما فقط، في تلك الاثناء يظهر في مدينة اوروك امير سومري يدعى (أوتوحيكال) ليحكمها بشكل شبه مستقل ويؤسس لسلالة اوروك الخامسة.

 

stone monument inscribed with the name of Utu hegal Iraq. The British Museum London

 

شكل (1)، كسرة حجرية من اور، يرد في النص اسم الملك (أوتوحيكال) او (اوتوحينگال) ملك اوروك، ترقى الكسرة الى حوالي 2125 ق.م محفوظة في المتحف البريطاني، (حقوق الصورة د. أسامة شكر امين).

 

 

AN00146466 001 l

شكل(2)، (نقش الملك أوتوحيكال محفوظ في المتحف البريطاني بالرقم المتحفي 119064، (حقوق الصورة المُتحف البريطاني ).

 

يُخلف لنا (أوتوحيكال)، نصاً مهماً يلقي الضوء على تفصيلة منازلته لجيش تريقان وطرده للگوتيين من ارض البلاد، فيما يليقراءة كاملة للنص الاصلي قام بها عالم السومريات صموئيل نوح كريمر في مؤلفه ( السومريون ) والتعريب للاستاذ فيصل الوائلي:
نص الملك أوتوحيكال (1)
"إنليل ملك الاقطار كلها، كلف أوتوحيكال الرجل القوي، ملك اوروك، ملك مناطق العالم الاربع، الملك الذي ليس بوسع أحد ان يخالف امره، بتحطيم أسم ملك گوتيم ، ثعبان وعقرب الجبل، الذي حمل سلاحه ضد الآلهة، والذي نقل ملكية بلاد سومر الى بلاد (اجنبية) والذي ملأ سومر بالعداوة، والذي فصل الزوجة ممن كان له زوجة، الذي سلب الطفل ممن كان له طفل واوجد العداوة والعصيان في البلاد.
بعدئذ توجه الى (إينانا) ملكته وابتهل اليها، يا مليكتي، أيتها اللبوة في المعركة يا من تهاجم الاقطار (الاجنبية) كلها لقد كلفني إنليل بأعادة ملكية بلاد سومر فكوني حليفتي (في هذا العمل)،إن تريقان ملك گوتيم قد عين (النص مخروم )، وعلى الرغم من ان احدا لم يتقدم ضده، إستولى على دجلة وساحل البحر، لقد أغلق في بلاد سومر الحقول السفلى وسد الطرقات العليا، وجعل الأعشاب الضارة تنمو عالياً في طرقات البلاد.
أوتوحيكال الملك الذي منحه إنليل القوة ، الذي اختارته إينانا في قلبها، الرجل القوي ، تقدم نحو المعركة من الوركاء ضده (اي ضد تريقان)، وفي بيت (الإله) إشكور( إله الرعد والعواصف)، قدم قرباناً وخاطب مدينته: ان إنليل اعطاني بلاد گوتيم، ووضعت اينانا مليكتي، كحليفة لي، مصيري برعاية دوموزي، ووهبتني أما – اوشم - جال (اي ثعبان) السماء - گلگامش، إبن (الإلهة) ننسون ليكون مشيكماً لي.
لقد امتلأت نفوس مواطني اوروك ومواطني كُلاّب (من احياءأوروك) بالفرح، وكرجل واحد سار (سكان) مدينته وراءه، وقاد هو القوات المختارة (من بينهم).
وبعد مغادرة بيت إشكور، قدم قرباناً في اليوم الرابع في "ناجسو" (نهر ايتمورن جال)، وفي اليوم الخامس قدم قرباناً في مزار الإلهة (إيلي تابا)، لقد أسر "اور- نينازو" و "نابي" – "إنليل" " شكاناك" "تريقان"، الذين ارسلهما سفيرين الى بلاد سومر وطوق ايديهما بأطواق من الخشب.
وبعد ان غادر أوتوحيكال مزار إيلي تابا، قدم في اليوم السادس قرباناً في (مورو) وذهب امام إشكور وتضرع اليه: "يا إشكور، لقد اعطاني إنليل اسلحة ، فكن انت حليفاً لي (في هذا).
وفي تلك الليلة نفسها....، وذهب الى أوتو وتضرع اليه : يا "أوتو" إن إنليل قد اعطاني گوتيم، كُن أنت حليفاً لي (في هذا).
في ذلك المكان جَمعت (بلاد) گوتيم قواتها وارسلت الجيوش ضده، الا ان أوتوحيكال، الرجل القوي، اوقع بهم الهزيمة وأسر شكاناك هم (اي قائدهم).
ثم هرب تريقان ملك گوتيم وحده وعاد الى ( بلاد گوتيم)، وفي "دوبروم" (شمال مدينة بعقوبة الحالية) حيث لجأ، عومل برفق ولكن لما كان رجال "دوبروم" يعرفون بأن أوتو حيكال كان هو الملك الذي وهبه إنليل القوة، ولم يطلقوا سراح تريقان، وأسَر رسول أوتوحيكال (تريقان) مع عائلته في دوبروم، وقيد يديه باطواق من الخشب، ووضع عصابة على عينيه، ثم جُلِب تريقان بعد ذلك الى حضرة "أوتوحيكال " والقى بنفسه على قدميه، فداس أوتوحيكال بقدمه على رقبته، ثم تضرع (النص مخروم).. ال (گوتي) عقرب وثعبان الجبل ونقل (... مخروم) من منطقتها ، وهكذا عادت الملكية الى بلاد سومر."

 

 Part of a stone monument inscribed with the name of Utu hegal king of Uruk. Circa 2125 BCE. From Ur Iraq. The British Museum London
شكل (3) رسم توضيحي يظهر احتفال ملك اوروك أوتوحيكال بالنصرعلى تريقان، حقوق الصورة 'Hutchinson's History of the Nations'

 

خَلدت هذه المأثرة في ذاكرة الأجيال العراقية اللاحقة و تم استذكارها في أزمان تلتها بقرون، وظهرت بهيئة نصوص فأل (فأل الملك تريقان الذي هرب وسط جموعه) وآخر اختص ب(فأل خسوف القمر في الرابع عشر من شهر تموز) والذي اقترن بنشوب ثورة على الكوتيين وسقوطهم.
حكم الملك أوتوحيكال بحسب ثبت الملوك السومريين لمدة سبعة سنوات ونصف (2116– 2110 ق.م)، والثبت عبارة عن ( قائمة مطولة ومفصلة شملت الملوك الذين حكموا بلاد سومر منذ عصور ما قبل الطوفان ثم السلالات التي حكمت من بعد ذلك، الى الزمن الذي جُمع فيه الثبت وافضل من قام بجهد الدراسة فيها عالم السومريات ياكوبسن في مؤلفه - ثبت ملوك سومر )، و يُرجّح ان فكرة تدوين ثبت الملوك بحد ذاتها قد تمت إبان فترة حكم أوتوحيكال، واصبحت تقليداً سار على نهجه بقية ملوك البلاد من بعده، وقد وردتنا لاحقاً (قوائم للملوك البابليين والاشوريين)، وتشير البحوث التي اجريت حول هذا التقليد، الى انه ربما كان نوع من الاستلهام للروح الوطنية المحلية ورغبتها بالتحرر من الاحتلال الاجنبي وتدوين تراث البلاد وسلالاتها الحاكمة، ويرد في نص فأل (أن أوتوحيكال قد مات جراء غرقه في النهر). ولكن المثبت ان حكمه قد انتهى على يد صهره وحاكم مدينة أور (أور نامو) وهو الذي انتقلت راية ملكية سومر الى مدينته اور من بعد اوروك ، لينبعث من هناك ما يمكن اعتباره اخر عصر سومري مجيد في تاريخ العراق القديم (سلالة اور الثالثة 2111-2003 ق.م).

 

 

vase utu hegal british museum
شكل (4)،زهرية من البرونز مدون عليها نص لملك اوروك السومري أوتوحيكال وترقى الى حوالي (2123- 2113 ق.م) محفوظة في المتحف البريطاني(1999,0731.1).

ترجمة النص المسماري المدون على الزهرية :
"أنا أوتوحيكال ملك اوروك القوي، ملك الجهات الاربعة، من يمحو ختمي هذا و يضع اسمه بدلا منه، او من يضع يده عليه ويغيره، فعسى ان يتقلص ملكه وينمحي نسله ويلعنه ملك السماوات آنو وسيدة أوروك إينانا".

مراجع
(1) السومريون، صموئيل نوح كريمر، ، ترجمة د. فيصل الوائلي.
(2) أسطورة نرام سن ،طه باقر
(3) كنوز المتحف العراقي، د. فرج بصمه جي.
(4) مقدمة في تاريخ الحضارات ، الوجيز في تأريخ حضارة بلاد الرافدين، طه باقر

 

Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker