حضارات المايا والأزتيك والانكا في أمريكا الوسطى والجنوبية

دراسة موجزة عن الانجاز الحضاري لشعوب اميركا الوسطى والجنوبية يرى دارسوا حضارات أمريكا الوسطى واساطيرها القديمة
أن واحداً من أبرز أسباب الانهيار الفجائي والسريع لامبراطورية الأزتيك، إحدى أقوى إمبراطوريات شعوب الناهواتل الهندية التي قامت في وادي المكسيك في القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، أيام الغزاة الأسبان في المدة(1518-1522)، يعود إلى اسطورة الإله كوتزا كواتل، إله الحكمة والفنون، الذي انحدر من السماء، وعاش على الأرض بين الناس، وبدأ يعلمّهم الحكمة والفنون، وبقي يحكمهم ويدير شؤونهم اجيالاً عديدة، حتى تمكن السحرة من إيقاعه في الخطيئة والانتصار عليه. فهجر شعبه الذي يحبه، واتجه شرقاً في المحيط، بزورق مصنوع من جلد الثعبان، وقبل ذهابه وعد شعبه بالعودة حيث سيشهد عصراً ذهبياً جديداً. بقت شعوب الناهواتل تتوق إلى عودته وتنتظر بشوق ظهوره بينهم من جديد. هكذا قال الشيوخ في العصور القديمة حقاً أن كوتزا كواتل ما يزال حياً إذ أنه لم يمت وسوف يعود ليحكم وكان هذا الإله يُصوَّر في مآثرهم وفنونهم بهيئة رجل أبيض ملتح. وحين أقبل القائد الاسباني هرناندو كورتيز مع رجاله الأربعمائة إلى شواطئهم ظنه الأزتيك ذلك الإله العائد إليهم من البحر فبهتوا واسقط في أيديهم وألقوا باسلحتهم أمامه. فدخل كورتيز ومن معه العاصمة دون مقاومة، والقى القبض على ملكهم مونتزوما(Montezuma) واحتفظ به رهينة. وسواء صح هذا التفسير كسبب مباشر في انهيار دولة الازتيك أم لم يصح، فأن طلائع الغزاة الاسبان بقادة كورتيز قد تمت لهم السيطرة التامة على شعب الازتيك والقبائل الخاضعة لحكمهم بوقت قصير. واخذوا ينهبون كنوز البلاد وثرواتها الفنية والذهبية. وقد نقلوا الكثير منها إلى اسبانيا، كما نقلوا هم ومن جاء بعدهم من ارساليات التبشير العديد من المخطوطات المدونة باللغات المحلية والتي تضم الكثير من معتقدات واساطير وآداب وعلوم شعوب أمريكا الوسطى والجنوبية، ولا يزال الكثير منها يُشاهد في متاحف ومكتبات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. قامت في بقاع محدودة من أمريكا الوسطى والجنوبية العديد من الحضارات الزراعية الأولى ممثلة بعدد من قرى ومستوطنات العصر الحجري الحديث قوامها زراعة الذرة التي بدأ المستوطنون الهنود لهذه الاصقاع من الدنيا الجديدة يكثرون زراعتها في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، رافقتها معارف أولى في العمارة والنحت وعمل الفخار.

 لقد تعرف الرعاة جامعو القوت إلى نبات الذرة الذي كان ينمو برياً في هذه الاصقاع من العالم الجديد في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، تماماً كما تعرف طلائع فلاحي مرتفعات منطقتنا في بلاد الرافدين وبلاد الشام إلى نباتي الحنطة والشعير البريين في حدود عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وبدأوا بتدجينها وزراعتها في حقولهم الأولى بعد ذلك بنحو ألفي سنة.

يخلو السجل الآثاري لمناطق أمريكا الوسطى والجنوبية إلى الآن من تعاقب حضاري مستمر لمعالم بارزة لمدنيات تسبق حضارات المنطقة الشهيرة الثلاث المايا والأزتيك والانكا التي خلفت وراءها ثروة هائلة من المعالم العمرانية والفنية والمعارف والآداب والأساطير والمعتقدات التي نُسج حولها العديد من القصص والروايات داخلها الشيء الكثير من الخيال والمبالغة.

مع هذا فإن نضج الحضارات الثلاث وبلوغها قمة التطور والرقي كان متأخراً إذا ما قورن بحضارات العالم القديم وبالاخص حضارة حضارة بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر وغيرها. وانها كانت لا تزال في أوج إزدهارها عند وصول الغزاة الأسبان إلى أمريكا الوسطى في مطلع القرن السادس عشر الميلادي.

حضارة المايا: كانت الأرض المنخفضة على شواطئ أمريكا الوسطى موطناً لحضارة المايا (Maya) أبرز وأعظم حضارات الأراضي المنخفضة في نصف الكرة الأرضية الغربي. لقد كان شعب المايا معزولاً عن بقية مستوطني شبه جزيرة المكسيك. فقد كان المياه تحيط بهم من جهات ثلاث والجبال العالية تعزلهم من جهة الغرب. لذا فقد نمت حضاراتهم وتطورت مستقلة عما عاصرها في تلك الأصقاع. لقد اعتمدت حياة المايا الاقتصادية على زراعة الذرة والبقول والبطاطا والكاكاو والتبغ، وقد زودتهم الغابات بالأخشاب التي استخدموها في البناء والوقود وصناعة الزوارق. كما أن حجر الكلس الموجود بكثرة في أراضيهم قد وفر لهم المادة الأساسية لإقامة الابنية الدينية والاحتقالية. كما وفر لهم مادة الجص اللازمة للبناء، وتشاهد بقايا ابنيتهم الدينية الشهيرة اليوم في مواقع أوكسمال وبيتين وشيئين اتزا.
اشتهرت حضارة المايا باعمال النحت بانواعه، ومعابدهم تزخر بالمشاهد المنحوتة في الحجر للآلهة وبعدد كبير من شعائرهم الدينية وطقوسهم وانتصارات ملوكهم. وفي العديد من قطع النحت مشاهد للطيور والحيوانات والأفاعي،وقد اشتهرت مدينة بالنك، أبرز مدن الامبراطورية القديمة، بعدد من أعمال النحت البارزة التي يرجع تاريخها إلى القرن السابع الميلادي. استخدم شعب المايا الكتابة الصورية التي كانت علاماتها ترمز إلى معان معيّنة. كما كان لديهم عدد من العلوم والمعارف.
ومع أن حضارة المايا كانت في مراحلها الأخيرة عند غزو الإسبان، في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، إلا أن الكهنة والطبقة الحاكمة كانت تحفتظ بالمعرفة العلمية وبفن الكتابة. وبدافع الجهل والتعصب الديني عمل الغزاة الإسبان على محو الكثير من تراث ومعارف المايا.فقد قاموا باحراق العديد من مخطوطاتهم في التراث والتاريخ والفلك والرياضيات. ولم ينج إلا القليل الذي أرسل إلى أوربا كتحف نادرة. وهناك مخطوطة في مدينة درسدن تُعدّ أبرز ما سلم من كتب المايا. وتضم هذه المخطوطة معلومات على قدر كبير من الأهمية في الرياضيات والفلك، فقد دونوا فيها أوقات كسوف الشمس وخسوف القمر وغيرها من الظواهر الكونية. تقع الأماكن التي ازدهرت فيها حضارة المايا في بوكاتان وهندوراس وغواتيمالا. وأبرز مواطن تلك الحضارة التي تشاهد فيها بقاياها اليوم هي:أوكساكتون وتيكال وكوبان.

حضارة الأزتيك: أسس الأزتيك(Aztec) أولى مدنهم في المكان الذي تقوم فيه اليوم مدينة المكسيك الحالية، وذلك بعد وصولهم إلى وادي المكسيك في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي. وبعد ذلك، في أواسط القرن الخامس عشر، تمكنت قبائل الأزتيك وعدد من القبائل المتحالفة معها من الهنود الناهواتل مع توسيع نفوذها وانشاء امبراطورية شملت هضبة المكسيك كلها، وصار نفوذها يغطي جميع المناطق الكائنة بين شواطئ المحيط الأطلسي في الشرق وشواطئ المحيط الهادي في الغرب،وذلك في حدود النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي.
كان مجتمع الازتيك أرستقراطياً تتمتع فيه الطبقات العليا من النبلاء والكهنة وقادة المقاتلين بحياة باذخة، ولها امتيازات واسعة، وعلى رأسها ملك يستمد قدسية مركزه الوراثي من سلطة الآلهة. عبد الأزتيك إلهاً مكرسا ًللحرب، واقاموا له معبداً فخماً فوق مصطبة عالية مشيدة من الحجارة المهندمة شبيهة باهرامات مصر وزقورات بلاد الرافدين، ترتفع فوق مباني المدينة لتكون موضعاً متميزاً يليق بضحايا إله الحرب هويتز بلو بوشتلي. كانت تقوم أمام معابد الاهرامات تلك ساحات واسعة يتجمع فيها الأزتيك لمشاهدة الطقوس التي تراق فيها دماء الضحايا فوق درج المعبد.
كان للأزتيك نظام قضائي متشدد في معاقبة الذين يخلّون بأمن المجتمع وسلامته. فكانت عقوبة السرقة مثلاً الإعدام. وللأزتيك نوعان من المدارس. مدارس يتلقى فيها التلاميذ دروساً في الوطنية والحرب والتاريخ، ويطلق عليها اسم بيوت الشباب. أما المدارس الملحقة بالمعابد فكانت تخرج كهنة متضلعين بشؤون العبادات والطقوس الدينية. وكان التلاميذ فيها يتلقون أصول الكتابة الصورية ورموزها التي كانت تستخدم بشكل خاص لتدوين القوانين والوثائق التجارية، كما كان على تلاميذ المعابد أن يحفظوا اعداداً كبيرة من التراتيل الدينية، والأناشيد والأغاني، وقد حفطت لنا تلك التراتيل والأغاني العديد من الأساطير وآداب ومعتقدات الأزتيك.
لقد تمسك حكماء الناهواتل من الأزتيك بمعتقداتهم وطرائق عبادتهم رغم العنف الذي مارسه الغزاة الأسبان وبعثات التبشير معهم لحملهم على ترك ديانتهم القديمة واعتناق المسيحية. وقد احتفظت بعض المكتبات في أوروبا بشيء من ردود حكماء وكهنة الأزتيك على أولئك المبشرين. تقولون إننا لا نعرف سيد كل مكان خالق السماوات والأرض. تقولون أن آلهتنا ليست الآلهة الحقة تلك كلمات غريبة تلك تقولون لقد اضطربنا لسماعها لأن أجدادنا الذين كانوا هنا أولئك الذين عاشوا على هذه الأرض لم يتكلموا كذلك لقد اعطونا وصايا الحياة التي اعتبروها حقاً وقدموا الإجلال لها، لقد عبدوا الإلهة والحوا علينا بكل صور الاحترام وبكل أسباب العبادة ولكن إذا كانت آلهتنا تحدثوننا عنها قد ماتت فدعونا نحن أيضاً نموت الآن دعونا نهلك الآن لأن آلهتنا قد ماتت كما تقولون.

إمبراطورية الأنكا: الأنكا(Inca)بالأصل قبيلة تدعى كوجوا كانت تقطن أحد وديان هضبة بيرو على ارتفاع عشرة آلاف قدم فوق سطح البحر. كان أفراد تلك القبيلة يعملون بزراعة الذرة والبطاطا وبعدد آخر من المحصولات أنبتوها في مدرجات عُنوا عناية فائقة بتقوية جدرانها بالحجارة ولا تزال بقاياها تشاهد إلى الآن في منعطفات التلال وسفوحها. توسعت قوة قبيلة الأنكا وامتد نفوذها ليشمل جميع هضبة الأنديز والمناطق الأخرى المحاذية لشواطئ المحيط الهادي في كولومبيا والإكوادور وبيرو وبوليفيا وشيلي في الجنوب حتى غدت في الأعوام(1438-1532م) أشهر وأعظم إمبراطوريات الهنود في أمريكا الجنوبية، ويشير اسم الأنكا إلى القبيلة التي كانت تحكم هذه الإمبراطورية الواسعة. كما أطلق هذا الاسم أيضاً على منصب الإمبراطور أو الملك الوراثي الذي كان يدعى أنه من سلالة إله الشمس.
كانت إمبراطورية الأنكا مقسمة إلى أربع مناطق، يحكم كلاً منها نائب للإمبراطور ويقيم في قسم خاص بت من العاصمة كوزكو. برز الأنكا في فن العمارة وهندسة البناء وقد شيدوا معابدهم وحصنوها بكتل ضخمة من الحجارة المهندمة التي عُنوا عناية كبيرة بنحتها وصقل جوانبها وزواياها، كما اهتموا بشق الطرق وتسويتها لتيسير الاتصال بين أجزاء إمبراطوريتهم الواسعة، وقد عملوا على جعلها صالحة للاستخدام في فصول السنة المختلفة وفي جميع الظروف المناخية، برع صناع المعادن من الأنكا في صناعة الأدوات والأواني النحاسية والبرونزية والفضية والذهبية مستخدمين طرق الصب والطرق والتطعيم. وكان الذهب متوفرا لديهم بكثرة حتى انهم زينوا قصر الانكا (الإمبراطور) بافاريز من الذهب الخالص كما عملت جميع أواني وأدوات قصره من الذهب أيضاً.
وحين وصل القائد الأسباني بيزارو عاصمة الأنكا في عام 1532 م كان هناك نزاع على العرش بين ورثة الإمبراطور اتاهولبا، فاستغل الأسبان هذا النزاع لصالحهم وقاموا بتصفية المتنازعين واحدا ًبعد الآخر وبذلك أجهزوا تماماً على عائلة الأنكا الملكية وأتباعها المقربين.
انهمك الأسبان بعدئذ بنهب ثروات البلاد والحصول على الذهب واهملوا العناية بأنظمة الري التي كانت عماد الزراعة في أنحاء الإمبراطورية، فتردت الحالة الاقتصادية والمعاشية للسكان وتفشت بينهم الأوبئة التي فتكت باعداد كبير منهم. وبالرغم من فقدان تراث الأنكا الأدبي والعلمي بسبب قضاء الأسبان على حكمائهم وكهنتهم وحرقهم لمؤلفاتهم ومخطوطاتهم، إلا أننا لا نزال نجد بين هنود منطقة الانديز بعض السمات والممارسات والمظاهر الفولكلورية التي تذكر ببعض جوانب الحياة التي قامت على أساسها حضارة الأنكا وإمبراطوريتهم الشهيرة .
كان الاعتقاد السائد بين الدارسين لحضارات العالم الجديد القديمة في العقود الأولى من القرن العشرين أنها نشأت وتطورت محلياً وبعزلة تامة عن أي تأثير خارجي. إلا أنه بتتابع الاكتشافات وتراكم المعلومات التي وفرتها التنقيبات والدراسات المقارنة صار بالإمكان الإشارة باطمئنان إلى أن أصحاب حضارات أمريكيا الوسطى القديمة وبالأخص المايا والأزتيك قد طوروا معارفهم في البناء والكتابة وبعض العلوم والمعتقدات، بعد احتكاكهم ببعض حملة حضارة الشرق الأدنى القديم. وبتأكيد هذا الرأي أكثر إذا ما علمنا أن البدء بتشييد المصاطب المخروطية العامة من الحجارة والتي تقوم فوقها معابد صغيرة للآلهة كان بعد عام 800 قبل الميلاد أي بعد احتكاك أصحاب تلك الحضارات بمجاميع من التجار والبحارة الكنعانيين القادمين من بلاد فينيقيا(لبنان حالياً) الذين وصلوا سواحل أمريكا الوسطى في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، كما تشير إلى ذلك كتابة فينيقية على حجز عثر عليه في أحدى غابات البرازيل. أن النظرة الفاحصة للمصاطب العالية هرمية الشكل للمايا والأزتيك تجعل المرء يتجه بفكره على الفور إلى بلاد الرافدين وزقوراته العالية ومعابد الآلهة الصغيرة التي يعلو بعضها وما يكمن وراءها من فكر ديني وطقوسي. لهذا كله أظن أن باستطاعتنا أن نشير باطمئنان إلى التأثر الواضح لاصحاب حضارات أمريكا الوسطى بحضارات الشرق الأدنى القديم وبالذات حضارات بلاد الرافدين

Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker